ورقيات الكمال. وإن أردت فالمح بعقلك حال قوم فقدوا هذا اليقين، ماذا تجد من
فتور في حركاتهم وقصور في هممهم وخصوصا إذا بغى عليهم الجهل فظنوا أنهم
أدنى الملل كطائفة الدهير ومانك.
ثم إن هذه الأمم الإسلامية وإن اختلفت بهم البلدان وتباينت البقاع والميطان،
وتنوعت الأجناس وافترقت الألسنة فقد وحدتهم وحدة الإسلام وجمعتهم جامعة الدين
وهي جامعة كبرى تتلاشى أمامها الجامعات الصغرى وتلغى الفروق فيكون جميع
المسلمين بها إخوانا. قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (الحجرات: 10)
وقال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعا إلى عصبية) فوطن المسلمين هو
مجموع الأمة الإسلامية في الدين وهو الذي قيل فيه: حب الوطن من الإيمان [2]
وليس المراد به حب التربة والمسكن والأهل والعشيرة، ولو كان كذلك لما كانت
الهجرة في الإسلام. ولما نطق الكتاب بالحث عليها والأمر بها. قال الله تعالى:
{ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من
بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} (النساء:
100) فمن قال من المسلمين في أية بقعة من الأرض (وطني) فقد قال (ديني) .
وقال تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ (الأنبياء: 92) وقال سبحانه:
﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ (آل عمران: 103) ولهذا ترى
المسلمين مهما تباعدوا أو تباغضوا لا تزال تعمل هاته إلى الجامعة عملها فيهم
يسرون لسرور بعضهم، ويحزنون كذلك، وإن افترقت بهم البلدان ما بين
المشرق والمغرب. وقد عظمت الصلابة في هذه الجامعة الدينية والرابطة الإسلامية
حتى سماها غيرهم الآن (تعصبا) [3] .
على أن التعريف بالوطن على هذا النحو هو غاية ما ترقى إليه الأمم،
وتنبعث نحوه الهمم، قال أدمون ديمولان: والمهاجر من الإنكليز السكسونيين يشعر
دائما بأنه إنما يرحل عن بلده مستصحبا لوطنه إذ هو يرى الوطن حيث يعيش
المرء حر ثم قال: (والنصر كل النصر للأمم التي وطدت أركان نظامها على
دعائم هذه الوطنية.
والتعريف بالجامعة أيضا على مثال ما تقدم سير مع سنة العمران، وذلك أن
أول اجتماع للإنسان كان على شكل جمعيات صغيرة جامعتها النسب كبني دار وبني
أسد وبني شيبان إلخ. ثم ارتقى إلى جمعيات أكبر من الأولى جامعتها الجنسية وهي
التي عليها الأمم الآن، ويقول العلماء: إنه سيرتقي على جنسيات كبرى واحدة
جامعتها الإنسانية، وترى الأمم تقرب من تلك الغاية النهائية بتأليف الأجناس
المتقاربة إلى جنس أعم كسعي الجرمان والسكسون والسيلاف واللاتين في ذلك الآن.
فإذا تبين هذا كانت الجامعة الإسلامية التي أضعفت بل لاشت جامعات الأجناس
ونقلتها إلى جامعة عظمى يكون فيها كل مسلم اليوم عبارة عن 360 مليونا خطوة
كبرى في السير نحو تلك الجامعة التي ستضم أفراد الإنسان، والتي يسعى وراءها
الإسلام من ثلاثة عشر قرنا [4] فشأن الجامعة الإسلامية أشبه بحال الجامعة الأمريكية
التي تضم الأجناس المختلفة فيها شرقا وغربا لتأييد مبدأ (مونرويه) .
ولا يقول بعض جيراننا من المسيحيين: إن التشبث بالجامعة الإسلامية يفقد
المسلمين الارتباط بهم فإنهم لو صدقوا في هذا القول لفقد المسلمون بذلك عشرة
ملايين نفس هم كل المسيحيين الذين في بلاد الإسلام وكسبوا 360 مليونا من
إخوانهم على أن الأمر ليس كذلك، فإن رابطة الذمة تقوم مع هؤلاء المسيحيين مقام
الدين فلا يحرم الفريقان من التعاون والتعاضد للعمل وقد أمر القرآن بمزيد الحسنى
معهم قال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من
دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (الممتحنة: 8) .
هذا وإن الإسلام آخذ في الازدياد والنمو في أكناف الأرض بكيفية تستوقف
البصر، وتحير الفكر، بل هو كلما حزبته الأعداء، وضايقته اللأواء، أربى في