تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا المضمار وهو (يبليج) الشهير قال: (قد اقتضت الحال زيادة السكان في بلدان

أوربا زيادة كثيرة غير طبيعية حتى اختلت النسبة بين عديدهم وبين غلات تلك

البلاد، فلا يمضي غير حقبة من الزمن حتى تعجز الأرض عما يفي بحاجاتهم مهما

أنهكوا قواها يختلف الأسمدة، وعندها لا يحتاج إلى نظريات علمية أو قياسات فنية

لإيضاح الناموس الطبيعي الذي يأمر الإنسان بأن لا يغفل عن المحافظة على أبواب

رزقه ويعاقبه العقاب الأليم عند مخالفة ذلك. ولا يكون ثمة للأمم الأوربية من حيلة

ولا مخلص إلا أن تتفانى لتبقى فترى إذن أمثال مجاعات سنة 1316 وسنة 1317

وحروب بعد ذلك تليها حتى يحمل الأمهات جيف القتلى لإطعام أطفالهم كما وقع ذلك

في (حروب الثلاثين سنة) المعروفة، فكل ذي درية وروية دقق النظر في أمر

ممالك أوربا ومستقبلها يجدها غير قائمة على أسس متينة بل على أسنة الإبر) .

اه

هذا، وربما ذهب بعض العرافين إلى أن طبيعة أرض الشرق مفسدة للهمم،

مقعدة للأمم، في تكون إذن هذه الأرضون من النعم بل من النقم، وهذا رأي تفنده

الأقيسة الصحيحة، والآراء النافذة، قال (فوليتر) في دحضه ما نصه: (نسأل

من يذهب إلى أن طبيعة الأجواء يتوقف عليها حالة الأمة وأخلاقها لما قال

الإمبراطور (جوليان) : إن الذي أعجبه من أهل باريس هو متانة أخلاقهم وأخذهم

بالجد والصلابة والسكون في طباعهم. وها هي أجواء باريس كما هي وأهلها فيها

الآن أخف أحلاما وطباعا من فراشة. أطفال في زي رجال، وصغار وإن كانوا

كبارا، وهؤلاء المصريون الذين يصفهم لنا المؤرخون بقوة العزائم ومتانة الطباع

وعظم الفتوح أصبحوا الآن أمة رخوة ضعيفة العزائم، طعمة لكل آكل، ولم لا

يوجد الآن في أثينا مثل (أناقريون) و (أرستطاليس) و (زوقسيس) ، ولم

استعاضت روما عن (شيشيرون) وعن (قاطون) وعن (تتليف) قوما بها لا

يحسنون أن يقولوا ولا أن يعملوا. أعظم أمانيهم ينحصر في أن يكون الزيت

رخيص الثمن لديهم. وقد كان من عادة (شيشيرون) الخطيب الروماني أن يهزأ

بالإنكليز ويتنادر عليهم حتى إنه كتب مرة في رسالة لأخيه (أقانتوس) الذي كان

ضابطا مع قيصر في غزوته التي غزاها بإنكلترا يسأله مستهزءا إن كان وجد ثمة

فلاسفة كبارا أو رياضيين عظاما. فهلا علم (شيشيرون) أنه نشأ بعده فيها أعظم

فلاسفة العالم ورياضيه تحت تلك السماء المظلمة بعينها. هذه كلها أمثلة تدل أن

ليس للإقليم أثر يذكر في ارتفاع الأمم وانخفاضها، بل العوامل الأخرى مثل الحكومة

أو الدين تفعل في ذلك أكثر منها بمائة ضعف.

كأن الله سبحانه وسعدانه، أراد أن لا تنزع هذه البلاد الجميلة من أيدي

المسلمين إذا أعجزهم الضعف يوما ما عن صونها حتى يئوبوا إلى القدرة على

حفظها فجعلها شبه وقف عليهم، وذلك أن جعل وسطها الطبيعي غير صالح؛ لأن

تعيش فيه الأمم المتغلبة الآن وهي الأمم الأوربية، ولبيان هذا نقول:

قد تقرر في الطبيعيات أن الحيوان أو النبات أو الإنسان إذا نشأ في وسط

طبيعي لا يعيش في وسط آخر غير مماثل له، وأقيم على ذلك هناك البرهان.

وعندهم أنه كما لا يمكن للسمك أن يعيش في البيداء، ولا للناقة أن تدوم في الماء،

ولا للنخلة أن تنبت بين صخور الجليد، لا يمكن للإنكليزي أن يستوطن الهند، ولا

لابن للألمان، أن ينبت في السودان، قال (لوبون) في كتاب الفسيولوجي: (ذكر

بعض المؤلفين أن الإنسان يمتاز عن الحيوان بكونه يعيش في كل جو وعلى كل

أرض. وهذا خطأ عظيم، ووهم كبير، فقد أثبت التاريخ مرارا أن أهل الشمال لا

يمكنهم العيش في أرض الجنوب. انظر إلى البربر من أهل الشمال وبلاد الجليد

الذين فتحوا أرض الرومان وسكنوا أقاليمها الحارة كيف لم يمض قرن واحد حتى

أفناهم الموت وأتى عليهم الفناء فلم يبق من الغوطيين واحد في إيطاليا، وهذه مصر

حكمتها عشرون أمة فأكلتهم وبقي الفلاح المصري كما هو على أرضه. وكذلك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٠٦