تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيما مضى من الزمان، أي: قبل ساعة وقوف الخطيب لإلقاء خطابه) ثم بين هذه

القواعد الجديدة التي يعامل بها المحكومون فقال: إنها الأمن والسلم ثم قال: (إننا

مدينون لهم بالعدل والسلم كما أننا مدينون لهم بالتساهل الديني، ولست أشير إلى

هذا الموضوع الخطير الذي له علاقة بكل ما يثير النفس البشرية إلا إشارة خفيفة

فأقول: إن التمدن الأوربي يجد في طريقه في أفريقيا لا سيما في شمالها ذلك الدين

القديم العظيم الذي هو دين الإسلام، والذي هو في هذه الجهات (شمال أفريقيا) أكثر

نشاطا منه في غيرها. وهذا الدين يدعو إلى إله واحد ويجعل الإيمان بالتوحيد

مصدرا لكل الفضائل الذاتية والاجتماعية ويستولي على المؤمن به استيلاء شديدا

فلا يعود بقدر على التفلت منه، فمن المفروض علينا التساهل في هذا الشأن بل

ليس التساهل بكاف وحده، فمن الواجب أن ندرس هذا الدين ونبذل جهدنا في فهمه.

وعلينا أن نتخذ الكلمة الإسلامية ﴿لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: 256) شعارا

لنا لا نخرج عن حدود معناها. وأن نحترم الدين الإسلامي ونحميه من كل طارئ

سوء. ولا بأس بذكر كلمة للأمير عبد القادر الجزائري في هذا المقام وهي: (إن

أصحاب الأديان الثلاثة يشبهون ثلاثة إخوة من ثلاث أمهات) انتهى محصل كلام

هانوتو. قبل الكلام عليه أسأل القارئ: هل سمع مثل هذه الكلمة ممن يماثل الأمير

عبد القادر في نسبه إلى صاحب الرسالة ومقامه في أهل دينه ومكانته من سلامة

العقيدة في مذهبه؟ أو سمع ما يقرب منها ممن لا يدانيه من أهل الملل الأخرى؟

ترى هانوتو يرشد أهله إلى اتخاذ سبيل جديد في سياسة المسلمين، وهذا الجديد

هو السلم والأمن والتساهل مع المسلمين في أن يستمروا مسلمين واحترام حقوقهم

وتركهم يعملون بدينهم. وعد هذا مبدأ جديدا لم يسبق الجري على مثله. وهل

تجنب الحكومة الفرنسية طلبه؟ مسألة فيها نظر. فهل يليق بمنصف أن يذكر

المسلم إذا ذكر التعصب ما دام في هذا الكون مثل هذه الدرجة منه؟

* * *

(سياسة الإنكليز في التسامح)

نعم نحن لا ننكر أن بين الأمم الأوربية أمة تعرف كيف تحكم من ليس على

دينها، وتعرف كيف تحترم عقائد من تسوسهم وعوائدهم، وهي الأمة الإنكليزية فهي

وحدها الأمة المسيحية التي تقدر التسامح حق قدره. لا يصعب علينا أن نقول: إن

منشأ ذلك أن أمراءها في الحروب الصليبية وقواد جيشها كانوا من أشد الصليبيين

علاقة بسلطان المسلمين وأمراء جيشه. وقد امتاز الإنكليز في ذلك الزمن المظلم

بدرس عقائد المسلمين وعاداتهم فحملوا من ذلك شيئا كثيرا إلى بلادهم ولم تحجبهم

غشاوة التعصب عن إبصار ضوء الحق، وظهر أثر ذلك في أقلام كثير من كتابهم

مثل ولترسكوت وشيل وغيرهما قبل أن يظهر في أقلام الكاتبين من غير الإنكليز

بأزمان طويلة. فلنا أن نقول: ولا نخشى لائما: إن هذه الخصلة الشريفة - خصلة

إطلاق الحرية لأهل الدين يتمتعون بأداء فرائضه مع احترام ما يحترمون - هي من

أجل الخصال ورثها غير المسلمين عن المسلمين. وهل أجد من يأبى علي القول

بأن الإسلام السليم من البدع هو أستاذ الإنكليز وعنه أخذوا هذه الخلة؟ ألا ترى أن

نظامهم في ذلك يقرب من نظام المسلمين في يوم كانوا مسلمين: يكتفون من الناس

بالخضوع للقوانين وأداء ما يفرض عليهم من الضرائب ثم يحفظون نظام العدل

بينهم بقدر ما تسمح به السياسة لا يفرقون بين دين ودين. وهكذا كان حال

المسلمين، وإن كان ذلك على قاعدة أبر وأرحم.

خاتمة: فإن قال قائل: أليس لهذا المقال من آخر؟ أليس في طول الكلام

مجلبة الملل، وترويج الكسل، قلت: إني أوجه كلامي هذا إلى أهل النهم إلى الفهم،

وأرباب الشره إلى المعرفة، ولا أظن هؤلاء إلا طالبين ما هو أوسع من هذا

المقال وأطول منه أضعافا مضاعفة؛ لأن الموضوع جليل، والكلام فيه مهما كثر

قليل، وأما القارئ الملول، فعقله مدخول، وعزمه مفلول، وفكره مغلول، وهو

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٨٩