تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكلمات لكسب بعض دريهمات: ويظهر لك ذلك من أنهم يلفظون هذه الأسماء وقلما

يدرسون شيئا من مدلولاتها ليقفوا على الحقيقة منه، وإنما يلقف بعضهم عن بعض

ظواهر كالزبد لا تمكث في الأرض. أما الصادقون على قلتهم فقد بدأ بعض الناس

يسمعون ما يقولون، ويطلبون الرشاد مما يعلمون، خصوصا في أمر الدين والجمع

بينه وبين مصالح الدنيا لا سيما في بلاد الهند وبين مسلمي روسيا. ولكن الإصلاح

ليس ريحا تهب فتمسح الأرض من الشرق إلى الغرب في وقت قريب فانتظر قد

يقول القائل: لم لم يكثر هؤلاء كثرتهم بين الأوربيين فيما مضى حتى يغلبوا

الظالمين من أهل السياسة ويستميلوا العادلين منهم إليهم. وينهضوا بالمسلمين من

هذه الرقدة التي طال أمدها عليهم؟ ، ولم لا يزال أهل البصيرة منهم قليلين متفرقين

يهمسون بالقول ولا يجهرون، وليس للعلم فيهم دعاة مليون؟ أليس ذلك سبيلا

لمؤاخذة الإسلام، وحجة عليه؟ ؟ وأقول له: إن حظ المسلمين لا يصح أن يكون

أسعد من حظ مقلديهم، بل المنتظر أن يكون أتعس وقد أقامت المسيحية ما يزيد

على ألف سنة قبل أن يظهر فيها العلم أو تنشأ الحرية الشخصية؛ أو تسري فيها

الحركة العلمية؛ إلى ما فيه صلاح الجمعية الإنسانية، مع توالي المنبهات؛

وتواصل الصدمات إثر الصدمات، ولم يمض على المسلمين من يوم استحكمت

فيهم البدعة وأطبقت عليهم ظلم المحدثات ودخلوا جحر الضب الذي دخله من كان

قبلهم إلا أقل من ثمانمائة سنة، فلم يمض عليهم وهم في بدعهم الجديد ذلك الزمن

الذي قد يكون عمرا لمثل هذه الحالة، ثم تقضي نحبها في آخره. وما أظن أن يمر

على المسلمين مثل تلك المدة قبل أن يبلغوا من صلاح الدين والدنيا ما هم أهل له.

الفرق بين التعصبين: وعلى كل حال لا يجوز في شريعة الإنصاف أن يذكر

المسلمون في جانب جمهور المسيحيين إذا ذكر الغلو في التعصب الديني فضلا عن

أن يقال: إن المسلمين أشد إفراطا فيه. والشاهد يدلنا على أنه قد يكون للمسلمين

في التعصب ألفاظ وكلمات، ولكن الذي يكون من جمهور المسيحيين إنما هو أعمال

وضربات في المعاملات؛ وما على طالب الحقيقة إلا أن يسيح بفكره في

المستعمرات الهولاندية في الشرق ومثل مملكة الترنسفال قبل سقوطها وبلاد الناتال

في الجنوب، ثم يرجع إلى الجزائر وما يليها في جهة الغرب ليعلم كيف تكون الشدة

في المعاملة مع غير أهل المذاهب المسيحية وكيف يبلغ التعصب من أهله حدا

تنظر إليهم فيه الإنسانية شزرا ولا تقبل لهم فيه المدنية عذرا.

ما على الباحث إلا أن ينظر فيما يكتبه الكتاب الفرنسيون ليعلم أنهم في حيرة

من أمرهم مع المسلمين. يريدون أن تكون لحكومتهم طمأنينة فيما ملكت من بلاد

المسلمين ولكن حكومتهم لا تجد السبيل إليها مع ما اتخذته قاعدة لعملها وهو الشدة

والإفراط في القسوة على المسلمين خاصة وحدهم دون سواهم. وأرباب الأقلام

يبحثون عن؛ تلك الطمأنينة مع المحافظة على تلك القسوة ويأبى الله أن يعثرهم على

ما يبحثون عنه، لأنهم يطلبون الجمع بين الضدين في موضوع واحد وهو محال كما

يقرره فلاسفتهم.

* * *

(رأي هانوتو الأخير في

معاملة المسلمين)

موسيو هانوتو أطلق لقلمه من سنوات أن يجري في البحث عن طريقة حكم

للمسلمين وقاعدة لمعاملتهم في البلاد التي يحكمها الفرنسيون وجاء في فصول مقاله

بما لا يزال يذكره القراء. ثم بعد أن قتل المسألة علما ثلاث سنين رجع إلى

موضوع البحث هذه السنة بلسان غير الذي كان ينطق به ورأي غير الذي كان

يصدر عنه. وإني ذاكر ملخص ما نقلته الجرائد من خطابه الذي ألقاه في المجمع

الجغرافي في شهر مارس من هذه السنة متعلقا بأفريقيا، واقتصر منه على ما يتعلق

بما نحن فيه وهو بالمعنى: (إن القواعد الجديدة التي يجب أن يكون عليها العمل

في أفريقيا هي مخالفة للقواعد القديمة التي كانت تجري عليها السياسة الاستعمارية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٨٨