تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العلم فلما ذهبت الواسطة تناكرت النفوس وتبدل الأنس وحشة.

الدعاة إلى الإسلام: فهل قام بينهم دعاة للعلم حقيقيون، أو دعاة لأصل الدين

عارفون، ثم استعصت قلوب المسلمين عليهم، وجمحت نفوسهم عن الانقياد لهم؟

وهل كثر أولئك الدعاة في أطراف بلاد المسلمين كثرتهم في أوربا من أواسط القرن

السابع عشر من التاريخ المسيحي إلى أن ظهرت قوة العلم في أوائل القرن السابع

عشر وفيما بعد ذلك؟ لا. إنما رأينا من الصادقين أفرادا يظهرون متفرقين في

عصور مختلفة ربما لا يجتمع ربعه منهم فما يزيد في قرن واحد ويأخذون في العمل

ولما وجهوا إليه، ثم لا يكادون ينطقون ببعض الكلم فيحس الناس بهم فيأخذ المستعد

أهبته لمفارقة ما كان عليه واتباعهم حتى تشعر السياسة (نعوذ بالله منها) بما عسى

يكون من أمرهم فتخمد أنفاسهم، قبل أن يبلغوا من قلب واحد ما أرادوا من غرس

أفكارهم، فينطفئ النور، ويدلهم الديجور، فهل يعد الأديب هذه الضربات من أيدي

أرباب السياسة اضطهادا للعلم لأجل حماية الدين؟ أنزه كل أديب عن أن يظن ذلك

وإنما هي صدمات تقع على الدين لا تختلف عن أمثالها مما يصيبه منهم مباشرة فلا

تعد حجة على الدين في نظر المنصف.

المقلد دون المقلد: ربما يقول القائل: إن كان المسلمون قد أخذوا الجمود في

التقليد والنفرة من العلم والاعتقاد بالعداوة بين الدنيا والآخرة وبين العقل والدين وما

أشبه ذلك مما هم فيه وورثوه عن الأمم السابقة عليهم خصوصا أقرب الملل إليهم،

فما بالهم لم يقلدوا المسيحيين في الحرص على نشر دينهم والتوسع في علومه مذيلا

بما أخذوه عنهم، ولم يقسموا أنفسهم قسمين كما قسم المسيحيون إخوانهم قسمين:

قسما ينقطع إلى الآخرة في الأديار والصوامع، وقسما يشتغل بالدنيا ليقيت نفسه

ويقيت أهل القسم الأول ويحمي نفسه ويحميهم من العدوان؟ وما لك ترى المسلمين

خملوا وارتخت أعصابهم وسئموا النظر في علوم دينهم كما ذكرت، ثم صاروا أبعد

الناس عن معرفة الطرق لتحصيل الغنى والثروة، والقبض على ناصية القوة

وصولجان العزة، وطرحوا أنفسهم في تيار من القدر كما يقولون، يجري بهم إلى

حيث لا يعلمون؟ ثم هم مع ذلك أحرص الناس على حياة؛ وأشدهم لهفا على

الحطام، فلا ترى الجمهور منهم في شيء للدين ولا للدنيا فما هذا التناقض؟ فأقول

له: إنك قد نسيت أن المقلد إنما ينظر من عمل المقلد إلى ظاهره ولا يدري سره

ولا ما بني عليه. فهو يعمل على غير نظام، ويأخذ الأمر لا على قاعدة، ولذلك

سقط المسلمون في شر مما كان عليه مقلدوهم لا سيما أنهم قد خلطوا في التقليد

وأضافوا إلى دينهم ما لا يمكن أن يتفق معه، فصاروا في مثل حال المتخبط الذي

تنازعه عدة قوى يذهب مع كل منها آنا ثم ينتهي أمره بعد الخيبة بالتعب الشديد

فيستلقي إلى أن يستريح فينهض إلى العمل على هدى أو يموت.

لما كان المسلمون علماء كانت لهم عينان: عين تنظر إلى الدنيا، والأخرى

تنظر إلى الآخرة. فلما طفقوا يقلدون أغمضوا إحدى العينين، وأقذوا الأخرى بما

هو أجنبي عنهم ففقدوا المطلبين ولن يجدوهما إلا بفتح ما أغمضوا وتطهير ما أقذوا.

الإصلاح والمصلحون: للقائل أن يقول: كيف تدعي أن دعاة العلم والدين

قليل بين المسلمين مع أننا نسمع أصواتهم تتلاقى في جو مصر وسوريا وغيرهما

من البلاد في هذه الأيام. كل يقول: ديني ملتي: إسلام مسلمون: قرآن سنة:

مجد الإسلام القديم سلفه والصالحون: تعلم تعليم: كتب قديمة كتب جديدة. وما

يشاكل ذلك مما يظهر منه أن الداعين إلى العلم أو المنبهين إلى الأخذ بأصول الدين

الإسلامي كثيرون ولا ترى مع ذلك من أغلب المسلمين إلا آذانا صما وأعينا عميا

وصدا عما يدعو إليه هؤلاء، ويمكنني أن أقول له: إن الصادق في هؤلاء ليس

بكثير عدة، والجمهور منهم قلما يخلص قصده، وما تجد أكثرهم إلا متجرين بهذه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٨٧