تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أذكاهم منها ما تدل عليه عباراتها، ولا يستطيع أن يتعلم البحث في أدلتها وتصحيح

مقدماتها وتمييز صحيحها من باطلها وإنما يتلقاها كأنها كتاب الله أو كلام نبيه صلى

الله عليه وآله وسلم يأخذ ما فيها بالتسليم. فإذا ناظره مناظر في بعض قضاياها

وعجز عن تصحيحه قطع الجدال بقوله: هكذا قالوا، وإن لم يكن القول متفقا عليه

بل قد يكون القول مما لم يقل به سوى صاحب الكتاب الذي اشتغل به وربما كان

صاحب الكتاب ممن لو رآه أحد من السلف لم يرضه تلميذا يعي عنه ما يقول.

كاد ينقطع طلب العلوم الدينية في سوريا والحجاز وتونس والجزائر وقل

جدا في المغرب الأقصى، ولم يبق الاهتمام به إلا في بعض الصحاري وذلك إما

لصعوبة طرق التعليم واقتضائها الزمن الطويل، وحاجات الناس مانعة لهم من

إفناء أعمارهم في عمل لا يسد في حاجتهم. وإما لتفضيل الآباء تربية أبنائهم على

الطرق الحديثة في أوربا أو في المدارس الأخرى وليس فيها من الدين شيء وإن

كان فيها شيء منه فهو مما لا يعد تعليما دينيا ينظر إليه. وإما للفتور والخمود،

الذي نشأ عن التقليد والجمود؛ وبذلك تجد المسلمين قد تولاهم الجهل بدينهم؛

وأخذتهم البدع من جميع جوانبهم؛ وانقطعت الصلة الحقيقية بينهم وبين سلفهم؛

حتى لو عرض على الجمهور الأعظم منهم ما اتفق عليه السلف من الحكام لأنكروه

واستغربوه وعدوه بدعة في الدين وصح فيهم ما قال عمر الخيام في بعض أشعاره

الفارسية مخاطبا للنبي عليه الصلاة والسلام: (إن الذين جاءوا بعدك زينوا لك

دينك ووشوه وزركشوه حتى لو رأيته أنت لأنكرته) . فهذا الصنف من المسلمين

وهو معظمهم قد أنكر دينه الحق وعاداه ونقم على أهله القائمين بخدمته، وإنما

اصطفى لاعتقاده بعض أفراد لم يعرف عن السلف اختصاصهم بالثقة ولم يسمح

الدين باختصاصهم بالتقليد. فإذا وقع عن هذا الصنف ما فيه أذى للعلم وأهله فهل

يعد ذلك واقعا من دين الإسلام دين محمد صلى الله عليه وسلم، دين القرآن، دين

السنة الثابتة، دين الخلفاء الراشدين ومن تبعهم من السلف الأولين؟

متابعة العلم للإسلام ومباينته لسواه: الحق أقول والحس يؤيدني: ما عادوا

العلم ولا العلم عاداهم إلا من يوم انحرافهم عن دينهم وأخذهم في الصد عن علمه

فكلما بعد عنهم علم الدين بعد عنهم علم الدنيا وحرموا ثمار العقل وكانوا كلما

توسعوا في العلوم الدينية، توسعوا في العلوم الكونية، وضربوا الزمان بسوط من

العزة، أما غيرهم فكلما اتصلوا بالدين وجدوا في المحافظة عليه أنكرهم العلم

وتجهمهم واكفهر وجهه للقائهم. وكلما بعدوا من الدين سالمهم العلم وبش في وجوههم

ولذلك يصرحون بأن العلم من ثمار العقل والعقل لا يصح أن يكون له في الدين

عمل، ولا أن يظهر منه فيه أثر، والدين من وجدانات القلب ولا علاقة بين ما يجد

القلب وما يكسب العقل فالفصل تام بين العقل والدين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما.

سامحهم الله فيما يسمونه تسامحا مع العلم، وهم يصرحون بأنه عدوه الذي يستحيل

أن يكون بينه وبينه سلم.

هل عرفت السبب في اضطهاد المسلمين للعلم؟ أقول اضطهاد ولا أريد به ما

كان عند الأمم المسيحية من الاشتداد في إبادة أهله، والتنكيل بهم واختراع ضروب

التعذيب والتفنن في صنع آلات الهلاك مع الأخذ بالشبهة، والاكتفاء في الإعدام

بمجرد التهمة، فإن ذلك لم يقع عند المسلمين لا أيام علمهم، ولا في أزمنة جهلهم،

ولكن أريد من الاضطهاد الإعراض عن العلم ورمي الألفاظ السخيفة في وجوه أهله

وقذفهم بشيء من الشتائم مع الابتعاد عنهم. لا ريب أنك قد أيقنت بأن السبب في

هذا الذي يسميه الأديب اضطهادا إنما هو جهلهم بدينهم. فالدواء الذي ينجح في

شفائهم من الداء لا يكون إلا ردهم إلى العلم بدينهم والتبصر فيه للوقوف على

أسراره والوصول إلى حقيقة ما يدعو إليه. كان الدين واسطة التعارف بينهم وبين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٨٦