زنديق؟ أشرنا فيما سبق إلى مبدأ هذا المرض ونقول الآن: إن ذلك بدأ فيهم عندما
بدأ الضعف في الدين يظهر بينهم، وأكلت الفتن أهل البصيرة من أهله (تلك الفتن
التي كان يثيرها أعداء الدين في الشرق وفي الغرب لخفض سلطانه، وتوهين
أركانه، وتصدر للقول في الدين برأيه من لم تمتزج روحه بروح الدين، وأخذ
المسلمون يظنون أن من البدع في الدين ما يحسن إحداثه لتعظيم شأنه تقليدا لمن كان
بين أيديهم من الأمم المسيحية وغيرها. وأنشأوا ينسون ماضي الدين ومقالات
سلفهم فيه ويكتفون برأي من يرونه من المتصدرين المتعالمين، وتولى شئون
المسلمين جهدا لهم، وقام بإرشادهم في الأغلب ضلالهم، في أثناء ذلك حدث الغلو
في الدين واستعرت نيران العداوات بين النظار فيه، وسهل على كل منهم لجهله
بدينه أن يرمي الآخر بالمروق منه لأدنى سبب. وكلما ازدادوا جهلا بدينهم ازدادوا
غلوا فيه بالباطل ودخل العلم والفكر والنظر (وهي لوازم الدين الإسلامي) في
جملة ما كرهوه، وانقلب عندهم ما كان واجبا من الدين محظورا فيه.
لا أكاد أخطئ القارئ إذا زعم أن المسلم إنما استفاد اسم زندقة وتزندق
ومتزندق وزنديق من فضل ما علمه جيرانه إذ كانوا يقولون: هرتقة وتهرتق وهو
هرتوقي أو ما يماثل ذلك. أو زعم أن قد فشت في المسلمين سرعة التكفير بطريق
العدوى من أهل الملل المتشددة وأن الذي سهل سريان العدوى بتلك السرعة الشديدة
هو ضعف المزاج الديني عند المسلمين بجهلهم بأصوله ومقوماته ومتى ضعف
المزاج استعد لقبول المرض كما هو معلوم.
إن المسلمين لما كانوا علماء في دينهم كانوا علماء الكون وأئمة العالم.
أصيبوا بمرض الجهل بدينهم فانهزموا من الوجود وأصبحوا أكلة الآكل وطعمة
الطاعم، هل وقف الجهل بالمسلمين عند تكفير من يخالفهم في مسائل الدين أو
يذهب مذهب الفلاسفة أو ما يقرب من ذلك؟ لا. بل عدا بهم الجهل على أئمة
الدين وخدمة السنة والكتاب، فقد حملت كتب الإمام الغزالي إلى غرناطة وبعدما انتفع
بها المسلمون أزمانا هاج الجهل بأهل تلك المدينة، وانطلقت ألسنة المتعالمين من
البربر بتفسيقه وتضليله فجمعت تلك الكتب خصوصا نسخ (إحياء علوم الدين)
ووضعت في الشارع العام في المدينة وأحرقت. قال قوم يعدون أنفسهم مسلمين في
ابن تيمية - وهو أعلم الناس بالسنة وأشدهم غيرة على الدين -: إنه ضال مضل.
وجاء على إثر هؤلاء مقلدون يملأون أفواههم بهذه الشتائم، وعليهم إثمها وإثم من
يقفوهم بها إلى يوم القيامة.
* * *
إهمال آثار السلف وحال
علوم الدين وطلابها
أهمل المسلمون علوم دينهم والنظر في أقوال سلفهم حتى إنك لا تجد اليوم في
أيديهم كتابا من كتب أبي الحسن الأشعري ولا أبي منصور الماتريدي، ولا تكاد ترى
مؤلفا من مؤلفات أبي بكر الباقلاني أو أبي إسحاق الإسفرايني. وإذا بحثت عن كتب
هؤلاء الأئمة في مكاتب المسلمين أعياك البحث ولا تكاد تجد نسخة صحيحة من
كتاب.
كتبت على القرآن تفاسير كثيرة في القرن الثالث من الهجرة وما بعده إلى
السادس منها تفسير الطبري وتفسير أبي مسلم الأصفهاني وتفسير القرطبي وتفسير
الجصاص وتفسير الغزالي وتفسير أبى بكر بن العربي وكثير غيرها، وفيها من آراء
أولئك الأئمة ووجوه استنباط الحكم والأحكام ما لا غنى لطالب علم الدين عنه. فهل
يجد الباحث المجد نسخة من هذه الكتب الجليلة يمكن الوثوق بصحتها إلا بطريق
المصادفة وحسن الاتفاق؟ وهل يليق بأمة تدعي أنها على دين وأن لها فيه سلفا
صالحا أن تهجر آثار سلفها وتدع ما كتبوا طعمة للعبث وفراشا للتراب؟ هل وقع
مثل ذلك من المشتغلين باللاهوت المسيحي في زمن من الأزمان؟
إن حالة طلبة العلوم الدينية الإسلامية أصبحت مما يرثى له في أكثر بلاد
المسلمين فهم لا يقرأون من كتب الكلام إلا مختصرات مما كتب المتأخرون يتعلم