سنة 1901 بعد كلام له في أن المسيحية رومانية أو بروتستانية فقدت خاصتها
الدينية كما فقدت فائدتها الاجتماعية ما نصه مترجما: إذا كان الدين المسيحي ليس
شيئا سوى الكثلكة المحتاجة إلى الإصلاح (المذهب الروماني) أو الكثلكة التي
دخلها الإصلاح بالفعل (المذهب البروتستانتي) فالقرن الموفي للعشرين (القرن
الحاضر) لا يكون مسيحيا أبدا.
وقد جاء في كلام هذا الخطيب بأنه يريد أن يطلب للمسيحية معنى آخر ينطبق
كل الانطباق على اعتقاد المسلمين فيها، فإن وفق للنجاح في سعيه زال الخلاف - إن
شاء الله - بين الدين والعلم، بل بين المسيحية والإسلام.
عود إلى سماحة الإسلام: آخذ بيد القارئ الآن، وأرجع به إلى ما مضى من
الزمان، وأقف به وقفة بين يدي خلفاء بني أمية والأئمة من بني العباس ووزرائهم
والفقهاء والمتكلمين والمحدثين والأئمة المجتهدين من حولهم؛ والأدباء والمؤرخين
والأطباء والفلكيين والرياضيين والجغرافيين والطبيعيين وسائر أهل النظر من كل
قبيل مطيفون بهم؛ وكل مقبل على عمله فإذا فرغ عامل من العمل أقبل على أخيه
ووضع يده في يده يصافح الفقيه المتكلم والمحدث الطبيب والمجتهد الرياضي
والحكيم، وكل يرى في صاحبه عونا على ما يشتغل هو به، وهكذا أدخل به بيتا من
بيوت العلم فأجد جميع هؤلاء سواء في ذلك طبيب يتحادثون ويتباحثون، والإمام
البخاري حافظ السنة بين يدي عمران بن حطان الخارجي يأخذ عنه الحديث وعمرو
ابن عبيد رئيس المعتزلة بين يدي الحسن البصري شيخ السنة من التابعين يتلقى
عنه وقد سئل الحسن عنه فقال للسائل: (لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته
وكأن الأنبياء ربته إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به، وإن أمر بشيء كان
ألزم الناس له وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن
منه ولا باطنا أشبه بظاهر منه بل أرفع بصري فأجد الإمام أبا حنيفة أمام الإمام
زيد بن علي (صاحب مذهب الزيدية من الشيعة) يتعلم منه أصول العقائد والفقه
ولا يجد أحدهم من الآخر إلا ما يجد صاحب الرأي في حادثة ممن ينازعه فيه
اجتهادا في بيان المصلحة وهما من أهل بيت واحد - أمر به بين تلك الصفوف
التي كانت تختلف وجهتها في الطلب وغايتها واحدة وهي العلم وعقيدة كل واحد
منهم أن فكر ساعة خير من عبادة ستين سنة كما ورد في بعض الأحاديث [2] .
الخلفاء أئمة في الدين مجتهدون وبأيديهم القوة وتحت أمرهم الجيش.
والفقهاء والمحدثون والمتكلمون والأئمة المجتهدون الآخرون هم قادة أهل الدين ومن
جند الخلفاء. الدين في قوته، والعقيدة في أوج سلطانها، وسائر العلماء ممن ذكرنا
بعدهم يتمتعون في أكنافهم بالخير والسعادة ورفه العيش وحرية الفكر لا فرق في
ذلك بين من كان من دينهم ومن كان من دين آخر، فهنالك يشير القارئ المنصف إلى
أولئك المسلمين، وأنصار ذلك الدين، ويقول: ههنا يطلق اسم التسامح مع العلم
في حقيقته، ههنا يوصف الدين بالكرم والحلم، ههنا يعرف كيف يتفق الدين مع
المدنية، عن هؤلاء العلماء الحكماء تؤخذ فنون الحرية في النظر، ومنهم تهبط
روح المسالمة بين العقل والوجدان (أو بين العقل والقلب) كما يقولون.
يرى القارئ أنه لم يكن جلاد بين العلم والدين وإنما بين أهل العلم أو بين أهل
الدين شيء من التخالف في الآراء شأن الأحرار في الأفكار الذين أطلقوا من غل
التقييد، وعرفوا من علة التقليد، ولم يكن يجري فيما بينهم اللمز بالألقاب فلا يقول
أحد منهم لآخر: إنه زنديق أو كافر أو مبتدع أو ما يشبه ذلك. ولا تتناول أحدا
منهم يد بأذى إلا إذا خرج عن نظام الجماعة وطلب الإخلال بأمن العامة فكان
كالعضو المجذم فيقطع ليذهب ضرره عن البدن كله.
* * *
(ملازمة العلم للدين، وعدوى
التعصب في المسلمين)
متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق، ورمي زيد بأنه مبتدع وعمرو بأنه