تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الهند العام لا يقول للمسلمين: (إنني لو كنت مسلما لما أضعت من وقتي خمس دقائق

من غير فكر في ترقية شأن الإسلام) ولا ينصح للمسلمين بأن يقيموا التربية

الدينية ويعدهم بمساعدة الحكومة لهم لمجرد المخادعة فإنه إنما كان يخاطب قوما

عاملين يخاطب رجال التربية الإسلامية في احتفالهم العام بمدرسة عليكدة. فقوله

هذا أكبر منشط لهم بالفعل. ثم ما كان لأمير الأفغان أن ينخدع بالأقوال. التي لا

تنطبق على الأعمال.

يقول هذا القائل: إن هؤلاء الحكام يقولون هذا ليطمئن المسلمون إلى حكومتهم

وهم يعلمون أن المسلمين لا يعملون. ونقول: إذا كنت أيها المسلم أسوأ

ظنا بقومك منك بالإنكليز فلا تجعل الذنب على خير الفريقين ولكن اجعله على

شرهما وهو من يقال له اعمل لنفسك فلا يعمل ثم يعتذر بأن من يقول له اعمل غير

مخلص في قوله. واعلم أن عقلاء المسلمين لا يرضون لأنفسهم ما وصفتهم به وأن

الإنكليز لم يقولوا ولن يقولوا للمسلمين اقعدوا ونحن نسعى لكم. وأنهم إن قالوا

لرعاياهم: اعملوا ونحن لا نعارضكم فلهم الشكر. فإن زادوا وقالوا ونحن نساعدكم

فلهم الفضل العظيم فإن سائر المستعمرين من الإفرنج يمنعون رعاياهم ومن في

حمايتهم من غير أهل دينهم من التعلم، وكل وسائل التقدم.

هذا الوفاق يراه المصريون رأيا جديدا ويراه سائر العثمانيين قديما فهو رأي

أكثر وزراء الدولة وساستها ولكنه كان وفاقا إنكليزيا تركيا. وكان عليه العمل بين

الدولتين ولا ننسى مساعدة بريطانيا العظمى للدولة العلية في الحروب الروسية

حرب القريم وما بعدها. ثم تراخت عرى الصلة بينهما بعد احتلال إنكلترا مصر

وكادت سياسة المستر غلادستون التحمسية تقطع تلك العرى تقطيعا بما ظهر من

تعصبه على الدولة وعلى الإسلام في إبان الفتنة الأرمنية. وكان من أثر ذلك توثيق

عرى الصلة بين السلطان وعاهل الألمان وضعف نفوذ الإنكليز وكسدت تجارتهم

في البلاد العثمانية حتى قال البرنس بسمرك ما معناه: إن المعلم غلادستون قد هدم

بشقشقته الحمقى ما بنته دولته في نحو قرن. ولا يزال أكثر نبهاء العثمانيين

يفضلون الإنكليز على كل دولة أوربية، وهذا كله مبني على قاعدة مسلمة عندهم

وهي أنه لا بد للدولة من الاعتماد على دولة أوربية في سياستها الخارجية.

إنكلترا قصرت مع الدولة العلية وإن مجاملتها لها تزيد جميع مسلمي

مستعمراتها ثقة بها فهي تنفعها في الوفاق الإسلامي الإنكليزي أكثر مما تنفع

المسلمين الذين تحكمهم فيما نظن، فإن تعلق آمال أولئك المسلمين بالدولة العلية يثبط

هممهم عن السعي في الاستقلال الذاتي الذي هو روح الحياة الاجتماعية كما بيناه من

قبل ويزيد عليهم ضغط حكامهم؛ لأنهم يرونهم ميالين إلى حكومة أخرى. ومن

شأن الضغط أن يفيد ولكنه لا يفيد ههنا؛ لأن المضغوط عليه لا يحاول الخلاص

من الضغط لاعتماده على غيره وقد ثبت هذا بالتجربة المؤيدة للنظر.

كان الوفاق إنكليزيا تركيا فأصبحنا نتحدث بوفاق إسلامي إنكليزي وهو وفاق

أشرف وأعلى وأعم وأنفع. كانت سياسة إنكلترا في ذلك الوفاق مبنية علي قاعدة:

يجب أن لا تسقط تركيا ولا تقوم يجب ألا تموت ولا تحيا. وأما قاعدة هذا الوفاق

فهي: يجب أن يعود للمسلمين استقلالهم الذاتي وأن ينفخ فيهم روح الدين

الإسلامي بفضائله وآدابة ليبعثهم إلى المدنية الحقيقية ولكن يشترط أن يكونوا هم

العاملين والإنكليز من المساعدين. فإذا صح هذا فهو أكبر أمنية يتمناها كل عاقل

من المسلمين. ويرضى هؤلاء العقلاء من إنكلترا بأن لا تكون على الدولة العلية

إذا لم تكن معها وبأن لا تدخل جزيرة العرب ولا تمكن دولة غير مسلمة من دخولها

كيفما كان حال الدولة العلية؛ لأن الجزيرة عند المسلمين معهد ديني كالمسجد، ومن

أركان الوفاق إقامة دين الإسلام، لا هدم مناره وتعطيل شعاره.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٧٣