الجاهلين إنما يتخاطبون بما يهوون لا بما ينتفعون. أرأيت كيف كان السيد أحمد
خان ظنينا في قومه متهما في بلاده عندما قام يدعو إلى الوفاق بين مسلمي الهند
وحكامهم من الإنكليز؟ لا جرم أن هذا هو شأن الجهل ولكن المسلمين أنشأوا
يتسللون منه لواذا، ولذلك لا يلاقي من يجهر في مصر بمثل دعوة المرحوم السيد
أحمد خان عشر معشار ما لقي من الظنة وما عانى من مرارة التهمة وإن كانت
مصر ليست من الإمبراطورية البريطانية كالهند.
المسلمون في مصر عرفوا ما كان عليه إخوانهم مسلمو الهند أيام الجفاء بينهم
وبين الإنكليز وعرفوا ثمرة دعوة أحمد خان وثمرة مدرسته في حفظ حقوقهم
ومصالحهم بالوفاق مع الإنكليز واسترجاع ما كان سلب منها بالتدريج. وظهر لهم
خذلان أحداث السياسة الذين جعلوا النعاق بالتنفير من الإنكليز منبعا للمال ومنبرا
للجاه وعلموا أنهم غاشون خادعون ضالون مضلون فتغيرت الأحوال وصار شيخ
الجامع الأزهر يزور عميد الإنكليز في مصر وشاعر الخديو يمدح ملك الإنكليز
وينشر ذلك في الجرائد التي تنتمي إلى الإنكليز وليس هذا ولا ذاك ممن تضطرهم
وظيفتهم أو تقضي سياستهم بأن يفعلوا ما فعلوا.
إننا نعلم مع هذا أن أكثر المسلمين يرتابون في تحقيق هذا الوفاق ولو عرفوا
مصلحتهم ومصلحة القوم بالبرهان لما كان لهم أن يرتابوا. إن من مصلحتنا التي لا
نشك فيها أن تكون تربيتنا إسلامية دينية ونرى الإنكليز الداعين إلى الوفاق يرون
رأينا في هذا. إن من مصلحتنا أن نكون رجالا مستقلين في علومنا وأعمالنا ونرى
الإنكليز يدعوننا إلى ذلك ويقولون: إنه يساعد على الوفاق بيننا وبينهم. إن من
مصلحتنا إحياء اللغة العربية لغة الكتاب والسنة واللغة الجامعة للأمة ونرى الإنكليز
يدعوننا إلى ذلك. فهل ترتاب في أن شيئا من هذه الأمور هو من أهم مصالحنا؟
كلا، يقول قائل: إن كاتب المقالة وطائفة من الكتاب والسياسيين الإنكليز قالوا بهذا
القول ولكن الدولة لم تقل به ولم ينتشر بعد فيصر رأيا للأمة البريطانية فنقول: إن
الحكومة ستضطر إلى مجاراة الأمة. فهل نخدع لقول بعض الكاتبين، ونثق بمن لا
يتفق معنا في لغة ولا جنس ولا دين؟ ونقول في الجواب: قد قال مثل ما قال هؤلاء
حاكم الهند العام الذي يحكم مائتي مليون من النفوس منهم نحو تسعين مليونا من
المسلمين أو زهاء خمسة أضعاف ما تحكمه الدولة العلية من المسلمين. وهب أنه
لم يقل بذلك أحد من الحاكمين البريطانيين فأنا سائلك: أي خدمة تقدمها أنت وقومك
للإنكليز جزاء على اعتقادك بإخلاصهم في حب الوفاق معكم فتخاف أن تضيع هذه
الخدمة مع من لا يستحقها؟ لو أن هذه الدولة محتاجة إلينا اليوم في عمل اختياري
وهي تخطب ودادنا لنخدمها به لكان لنا أن نقول: إنه يجب علينا أن نأخذ بالاحتياط
ولا نخسر عملنا حتى نثق بصدق مجاملنا.
يقولون لنا بلسان حالهم أو بلسان مقالهم: تربوا التربية الدينية. واتصفوا
بصفات الاستقلال والرجولية. وتعلموا العلوم والفنون. وحصلوا المال والثروة
ونحن نساعدكم على ذلك. فهل معنى الاحتياط أن لا نشتغل بشيء من ذلك؛ لأن
هذا ثقة بالقوم ولا ينبغي لنا أن نثق بهم إلا بعد قيام البرهان على صدقهم. كيف
يكون هذا وأن ما يصدر عنهم هو عين البرهان على صدقهم.
يقول القائل: إنهم يخادعون بمثل هذه الأقوال أمير الأفغان والسنوسي ليكون
الأول معهم على روسيا وليأمنوا من إغارة الثاني على السودان. ونقول: إن هؤلاء
الكتاب يخاطبون دولتهم وإن حاكم الهند كان يخاطب رعيته المسلمين ومثله حاكم
سيراليون (راجع صفحة 707 من المجلد الرابع) فهل اتفق هذا وهو في غربي
أفريقيا مع ذلك في شرقي آسيا على مخادعة السنوسي الذي لا يسمع خطبهما ولا
يقرأ الجرائد فيعرف خبرهما؟ .
نعم إن أمير الأفغان يعرف أحوال الهند وما يقول حاكمها. ولكن حاكم