تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الواثقون بدينهم من هؤلاء العقلاء يعتقدون بأن الأمة الإنكليزية الحرة إذا

عملت بنصيحة مستر كربت وأضرابه (ومنهم إسحاق طيلر الذي نشرنا كثيرا من

مقالاته في أجزاء من السنة الماضية والسنة الحاضرة) ودرست الإسلام درسا

صحيحا فإنها تدخل فيه أفواجا. وقد سبق لنا القول بأن أمة أوربية كهذه إذا

دخلت في الإسلام فإنها تملك بالمسلمين الشرق كله ولا يبعد أن تملك بهم الغرب

أيضا فإن أكبر قواد الحرب في أوربا قالوا: إنه يسهل عليهم أن يفتحوا أوربا كلها

بمائة ألف من جيوش المسلمين.

أنى لنا بصوت ندي من ذي برهان قوي. يبلغ قومنا مبلغ انتفاعهم من هذا

الوفاق ويعلمهم كيف يقنعون الإنكليز به ويمثلون له مصلحتهم فيه مشدودة مع

مصحلتنا في قرن. إن هذا من وظيفة الجرائد ووظيفة أهل الرأي في الأمة. وقد

علمنا ممن ذكرناهم من عقلاء المصريين الارتياح لهذا الوفاق إذا وثقوا من

رضاء الدولة الإنكليزية به، ورأينا الجريدة السياسية الكبرى للمسلمين في مصر

(المؤيد) موافقة عليه، ولا يوجد في مصر جريدة سياسية غيرها يعتد المسلمون

برأيها في مصلحة المسلمين. إلا أن هؤلاء يرتابون في إنكليز مصر إن لم

يرتابوا في إنكليز الهند وحجتهم في الارتياب ما ذكره المؤيد ويذكره جميع الناس من

تصرف المستر دنلوب في المعارف تصرف من يريد إضعاف اللغة العربية والدين

الإسلامي في مدارس الحكومة. وانتقاد عمل المستر دنلوب مجموع عليه في

مصر لا يختلف فيه مع المسلمين القبط ولا السوريون فهو منتقد في غير ما ذكرنا

من أمر اللغة والدين، ولا ينسب عمله إلا إلى سياسة دولته، وإن كان يجوز

أنه خطأ في إدارته.

والذي يكشف عن وجه الحق في هذه المسألة وأشباهها هو أن يرجع بعض

الوجهاء العقلاء إلى من بيده أزمة سياسة هذه البلاد وهو اللورد كرومر، وبينوا له

الضرر فيما يعتقدونه ضارا للبلاد أو للمسلمين في لغتهم أو دينهم فإن أشكاهم وأزال

الضر فعليهم أن يعتقدوا أن الإنكليز لا يريدون بالمسلمين سوءا وإنما يحبون أن

ينتفعوا من بلادهم وينفعوهم جزاء على ذلك. وإن تبين له الضرر وأصر على

إبقائه فلهم أن يسيئوا الظن بدولته، وأن يعتقدوا أن هذه الأقوال التي تقال في الخطب

والكتب والجرائد تغرير وتمويه. أما نحن فنظن أنه لا يقتنع منهم بمضرة إلا

ويزيلها قياسا على من كلمه في شأن إبطال النيابة من المحاكم وبين له أن ذلك ضار

بالبلاد فنكث فتل الاتفاق على ذلك بعد توكيده وعلى من كلمه في مسألة بيع الدائرة

السنية وبين له مضرة الفلاحين فيه فنقض الاتفاق بعد إبرامه. ومثل ذلك كثير.

ونختم البحث بقول ينبغي أن نكرره دائما وهو أن من لا يعمل لنفسه فلا

يصح أن يطالب غيره بأن يعمل له. ومن كان مقصرا في حفظ حقوقه فلا يلومن

غيره إذا قصر فيه. ومن عرف نفسه وعرف مكانه ممن يعيش معهم لا يظلم ولا

يهضم. ومن أعطي الحرية في العلم والعمل، فليس له عذر في التقصير والكسل

ومن عرف قوة الرابطة الإسلامية لا يقطعها بمدية الوطنية، فلولا أن المسلمين

كالجسد الواحد كما ورد في الحديث لما طلب الإنكليز الوفاق معهم. ومن ظلم نفسه

كان جديرا بأن يظلمه غيره.

إذا ما أهان امرؤ نفسه ... فلا أكرم الله من يكرمه

والسلام على من تدبر القول فحكم عليه لا على القائل، وكان همه منه التمييز

بين الضار والنافع والحق والباطل.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٧٤