تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بديارهم حتى يفيقوا (وقد بدأوا يفيقون من سكراتهم) ويفزعوا إلى طلب النجاة

ويغسلوا قذى المحدثات عن بصائرهم، وعند ذلك يجدون هذا الكتاب الكريم في

انتظارهم يعد لهم وسائل الخلاص ويؤيدهم في سبيله بروح القدس ويسير بهم إلى

منابع العلم، فيغترفون منها ما يشاءون فيعرفون أنفسهم ويشهدون ما كان قد كمن فيها

من قوة فيأخذ بعضهم بيد بعض ويسيرون إلى المجد غير ناكلين ولا مخذولين.

ولهذا أقول: إن الإسلام لن يقف عثرة في سبيل المدنية أبدا ولكنه سيهذبها وينقيها

من أوضارها، وستكون المدنية من أقوى أنصاره متى عرفته وعرفها أهله. وهما

الجمود سيزول وأقوى دليل على زواله بقاء الكتاب شاهدا عليه بسوء حاله ولطف

الله بتقييض أناس للكتاب ينصرونه، ويدعون إليه ويؤيدونه، والحوادث تساعدهم،

وسوط عذاب الله النازل بالجامدين ينصرهم، هذا الكتاب المجيد الذي كان يتبعه

العلم حيثما سار شرقا وغربا لا بد أن يعود نوره إلى الظهور ويمزق حجب هذه

الضلالات، ويرجع إلى موطنه الأول من قلوب المسلمين ويأوي إليها. العلم يتبعه

وهو خليله الذي لا يأنس إلا إليه ولا يعتمد إلا عليه.

يقول أولئك الجامدون الخامدون كما يقول بعض أعداء القرآن: إن الزمان قد

أقبل على آخره، وإن الساعة أوشكت أن تقوم، وإن ما وقع فيه الناس من الفساد،

وما مني به الدين من الكساد، وما عرض عليه من العلل، وما نراه فيه من الخلل،

إنما هو أعراض الشيخوخة والهرم، فلا فائدة في السعي ولا ثمرة للعمل، فلا

حركة إلا إلى العدم، ولا يصح أن يمتد بصرنا إلى العدم، ولا أن ننتظر من

غاية لأعمالنا سوى العدم (نعوذ بالله) ، هؤلاء حفدة الجهل وأعوان اليأس يهرفون

بما لا يعرفون. ماذا عرفوا من الزمان حتى يعرفوا أنه كاد ينقطع عند نهايته؟ إن

الذي مضى بيننا وبين مبدأ الإسلام ألف وثلاثمائة وعشرون عاما، وإنما هي يوم

وبعض يوم أو بعض يوم فقط من أيام الله تعالى. وأن آيات الله في الكون - وإن

كانت تدل على ما مضى على الخليقة يقدر بالدهور الدهارير، - تشهد بأن ما بقي

لهذا النظام العظيم يقصر عن تقديره كل تقدير {فمال هؤلاء القوم لا يكادون

يفقهون حديثا} (النساء: 78) إن ما بيننا وبين مبدأ الإسلام لا يزيد عن عمر

ستة وعشرين رجلا كل رجل يعيش خمسين سنة. فهل يعد مثل ذلك دهرا طويلا

بالنسبة إلى دين عام كدين الإسلام؟ إن زمنا كهذا لا يكفي - وقد تبين أنه لم

يكف - لاهتداء الناس كافة بهديه. ولم تقوم القيامة على الدين ولم تقم على شرهم وطمعهم؟

قد وعد الله بأن يتم نوره وبأن يظهره على الدين كله فسار في سبيل التمام

والظهور على العقائد الباطلة أعواما، ثم انحرف به أهله عن سبيله وصاروا به إلى

ما يرون ونرى. ولن ينقضي العالم حتى يتم ذلك الوعد ويأخذ الدين بيد العلم

ويتعاونا معا على تقويم العقل والوجدان فيدرك العقل مبلغ قوته، ويعرف حدود

سلطنته، فيتصرف فيما آتاه الله تصرف الراشدين، ويكشف ما مكنه فيه من أسرار

العاملين، حتى إذا غشيته سبحات الجلال وقف خاشعا، وقفل راجعا، وأخذ أخذ

الراسخين في العلم الذين قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله

وجهه) فيما روي عنه: (هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون

الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم

بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث

عن كنهه رسوخا واعتبر بعد ذلك بقوله: (فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة الله

سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين. هو القادر الذي إذا ارتمت الوهام

لتدرك منقطع [4] قدرته، وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في

عميقات غيوب ملكوته، وتولهت [5] القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته،

وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته، ردعها وهي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٦٩