تتحرك نفسه لمعرفة حكم من أحكامه، أو درس عقيدة من عقائده فشأنهم كلام في كلام
ولبئس ما يصنعون. ولولا هذا الجمود لوجدوا في كتب دينهم وفي أقوال حملته ما
تبتهج به قلوبهم؛ وتطمئن إليه نفوسهم؛ ولذاقوا طعم العلم مأدوما بالدين وتمكنوا
من نفع أنفسهم وقومهم ولوجدت منهم طبقة معروفة يرجع إليها في سير الأمة
وسياسة أفكارها وأعمالها الاجتماعية.
***
(الجمود علة تزول)
(المقال الخامس لذلك الإمام الحكيم وفيه بيان علاج الداء)
تفصيل مضرات هذا الجمود وسيئاته يحتاج إلى كتاب طويل فنكتفي بما
أوجزناه في الصفحات السابقة. ولكن يبقى الكلام في أنه عارض يمكن زواله إن
شاء الله تعالى.
قد عرفت من طبيعة الدين الإسلامي بعد عرضها عليك فيما سبق أنها تسمو
عن أن ينسب إليها هذا المرض الخبيث - مرض الجمود على الموجود - وكم في
الكتاب من آية تنفر من اتباع الآباء مهما عظم أمرهم بدون استعمال العقل فيما كانوا
عليه ولا حاجة إلى إعادة ذلك. ثم إننا أشرنا أيضا إلى بعض الأسباب التي جلبت
هذا الجمود على المسلمين لا على الإسلام، وأن محدثها إما عدو للمسلمين طالب
لخفض شأنهم أو لاستعبادهم ولاستغلال أيديهم لخاصة نفسه. وإما محب جاهل
يظن خيرا ويعمل شرا وهذا الثاني كان أشد نكاية، وأعون على الغواية، وهل
تزول هذه العلة ويرجع الإسلام إلى سعته الأولى وكرمه الفياض وينهض بأهله إلى
ما ذخر لهم فيه؟ ؟
جاء في الكتاب المبين ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: 9) ذلك الذكر هو الذكر الحكيم وهو القرآن الذي أحكمت آياته ثم
فصلت من لدن حكيم خبير. وهو كما قال: {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا
لقوم يعلمون} (فصلت: 3) وعد الله بحفظ هذا الكتاب وقد أنجز وعده فلم تطل
إليه يد عدو مقاتل ولا يد محب فبقي كما نزل، ولا يضره عمل الفريقين في تفسيره
وتأويله، فذلك مما لا يلتصق به فهو لا يزال بين دفات المصاحف طاهرا نقيا
بريئا من الاختلاف والاضطراب. وهو إمام المتقين، ومستودع الدين، وإليه
المرجع إذا اشتد الأمر وعظم الخطب وسلمت النفوس من التخبط في الضلالات.
ولا يزال لأشعة نوره نفوذ من تلك الحجب التي أقاموها دونه ولا بد أن تتمزق كلها
بأيدي أنصاره فيتبلج ضياؤه لأعين أوليائه إن شاء الله تعالى.
هذا الضياء كان ولا يزال يلوح لامعه في حنادس الظلم لأفراد اختصهم الله
بسلامة البصيرة فيهتدون به إليه ويحمدون سراهم، بما عرفوا من نجاح مسعاهم،
ولكن الذين أطبقت عليهم ظلم البدع، وران على قلوبهم ما كسبوا من التحزب
للشيع، وطمست بصائرهم، وفسدت عقولهم، بما حشوها من الأباطيل، وبما
عطلوها عن النظر في الدليل، هؤلاء في عمى عن نوره وقلوبهم في أكنة أن
يفقهوه وفي آذانهم وقر. يصيحون بأنهم عمي صم فلا يرون له سناء، ولا يسمعون
له نداء، ويعدون ذلك من كمال الإيمان به ولبئس ما رضوا لأنفسهم من السفه
وطيش الحلم وهم يعلمون. هذا حال الجمهور الأعظم ممن يوصفون بأنهم مسلمون
ويجلبون العار على الإسلام بدخولهم تحت عنوانه، ويقوون حجج أعدائه في حربه
بزعمهم الاجتماع تحت لوائه، وما هم منه في شيء كما قدمنا.
هؤلاء لا بد أن يصيبهم ما أصاب الأمم قبلهم فقد اتبعوا سننهم شبرا بشبر
وذراعا بذراع وضيقوا على أنفسهم بدخولهم في جحر الضب الذي دخلوه [3] ومن
اتبع سنن قوم استحق الوقوع تحت أحكام سنن الله فيهم فلن يخلص مما قضى الله
في عذابهم. فقد قص عليهم سير الأولين وبين لهم ما نزل بهم عندما انحرفوا عن
سننه وحادوا عن شرعه ونبذوا كتابه وراءهم ظهريا. أحل بهم الذل، وضرب
عليهم المسكنة، وأورث غيرهم أرضهم وديارهم. فهل ينتظر المتبعون سننهم،
السائرون على أثرهم أن يصنع الله بهم غير الذي صنع بسابقيهم وقد قضى بأن تلك
سنته لن تجد لسنته تبديلا.
لا تزال الشدائد تنزل بهولاء المنتسبين إلى الإسلام، ولا تزال القوارع تحل