تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لحوب مهاوي سدف [6] الغيوب متخلصة إليه سبحانه، فرجعت إذ جبهت [7] معترفة

بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته، ولا تخطر ببال أولي الرويات خاطرة

من تقدير جلال عزته) .

هنالك يلتقي (أي العقل) مع الوجدان الصادق (القلب) ولم يكن الوجدان

ليدابر العقل في سيره داخل حدود مملكته متى كان الوجدان سليما، وكان ما

استضاء به من نبراس الدين صحيحا، إياك أن تعتقد ما يعتقده بعض السذج من أن

فرقا بين العقل والوجدان (القلب) في الوجهة بمقتضى الفطرة والغريزة. فإنما يقع

التخالف بينهما عرضا عند عروض العلل والأمراض الروحية على النفوس. وقد

أجمع العقلاء على أن المشاهدات بالحس الباطني (الوجدان أو القلب) من مبادي

البرهان العقلي كوجدانك أنك موجود ووجدانك لسرورك وحزنك وغضبك ولذتك

وألمك ونحو ذلك.

منحنا العقل للنظر في الغايات والأسباب المسببات، والفرق بين البسائط

والمركبات، والوجدان لإدراك ما يحدث في النفس والذات من لذائذ وآلام، وهلع

واطمئنان، وشماس وإذعان، ونحو ذلك مما يذوقه الإنسان ولا يحصيه البيان؛ فهما

عينان للنفس تنظر بهما - عين تقع على القريب وأخرى تمتد إلى البعيد، وهى في

حاجة إلى كل منهما ولا تنتفع بإحداهما حتى يتم لها الانتفاع بالأخرى. فالعلم

الصحيح مقوم الوجدان، والوجدان السليم من أشد أعوان العلم، والدين الكامل علم

وذوق، عقل وقلب، برهان وإذعان، فكر ووجدان، فإذا اقتصر دين على أحد

الأمرين فقد سقطت إحدى قائمتيه وهيهات أن يقوم على الأخرى. ولن يتخالف

العقل والوجدان حتى يكون الإنسان الواحد إنسانيين، والوجود الفرد وجودين.

قد يدرك عقلك الضرر في عمل ولكنه تعمله طوعا لوجدانك، وربما أيقنت

المنفعة في أمر وأعرضت عنه إجابة لدافع من سريرتك، فتقول: إن هذا يدل على

تخالف العقل والوجدان. ولكني أقول: إن هذه حجة من لا يعرف نفسه ولا غيره.

عليك أن ترجع إلى نفسك فتتحقق من أحد الأمرين - إما أن يقينك ليس بيقين وأنه

صورة عرضت عليك من قول غيرك فأنت تظنها علما وما هى به. وإما أن

وجدانك وهم تمكن فيك، وعادة رسخت في مكان القوة منك، وليس بالوجدان

الصحيح وإنما هو عادة ورثتها عمن حولك وظنتها شعورا منبعه الغريزة وما هي

منه في شيء.

(نتيجة) : لا بد أن ينتهي أمر العالم إلى تآخي العلم والدين؛ على سنة

القرآن والذكر الحكيم، ويأخذ العالمون بمعنى الحديث الذي صح معناه [8] (تفكروا

في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله) وعندها يكون الله قد أتم نوره ولو كره

الكافرون [9] وتبعهم الجامدون القانطون، وليس بينك وبين ما أعدك به إلا الزمان

الذي لا بد منه في تنبيه الغافل وتعليم الجاهل وتوضيح المنهج، وتقويم الأعوج،

وهو ما تقتضيه السنة الإلهية في التدريج {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن

تجد لسنة الله تبديلا} (الأحزاب: 62) . ﴿إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا﴾ (المعارج: 6-7) . ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (محمد: 7)

وهو خير الناصرين.

... ... ... ... (للكلام بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) المنار: يشير إلى حديث ابن مسعود عند الترمذي وابن ماجه وهو: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (نضر الله امرءا سمع مني شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى له من سامع) ورواه غيرهما عن غيره.

(2) يشير إلى حديث أنس عند الترمذي وهو: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) ورواه غيره.

(3) المنار: في الكلام إشارة إلى حديث: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) الحديث رواه الشيخان وغيرهما.

(4) المنقطع: ما ينقطع عند الشيء وهو آخره.

(5) تولهت: اشتد عشقها.

(6) السدف: جمع سدفه كظلمة لفظا ومعنى.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٧٠