يسمحون لأنفسهم بترك عادة صحيحة من العادات التي أورثها دينهم لقومهم، فنعم
المتعلمون هؤلاء، أكثر الله منهم.
وإنما أتكلم عن هذا الفريق من المتعلمين في مصر وسوريا وسائر بلاد الدولة
العثمانية. سماحة الإسلام وسعة حلمه للعلم أباحت للمسلمين أن يرسلوا أولادهم
ليأخذوا العلم في المدارس الرسمية وغير الرسمية عن أساتذة فيهم المسلم وغير
المسلم، أو عن أساتذة كلهم غير مسلمين بل في مدارس لم تبن إلا لترويج دين غير
الدين الإسلامي. وأباحت لغير آباء هؤلاء التلامذة أن يسكتوا وأن لا ينكروا عليهم
عملهم ما دامت العقيدة سالمة من الهدم والضعضعة.
جمود تلامذة المدارس الأجنبية: هؤلاء التلامذة إن كانوا في مدارس أجنبية
لا أثر لتعليم الدين الإسلامي فيها بل ربما يتعلم فيها دين آخر فقد يسري إلى
عقائدهم شيء من الضعف، وقد تذهب عقائدهم بالمرة وتحتل مكانها عقائد أخرى
تناقضها كما شوهد ذلك مرارا. ولو كان آباؤهم على علم بطرق الاستدلال الإقناعية
لعقائد دينهم لدعموا من عقائد أبنائهم وحفظوها من التزلزل أو الزوال. وكيف يكون
لأولئك الآباء شيء من هذا العلم مع الجمود على طرق قديمة لا يصل إلى فهمها من
ينقطع لتعلمها فضلا عن أولئك المساكين. بل لو كان هناك مرشدون على طريقة
يسهل فهمها لتيسر لهؤلاء التلامذة أن يهتدوا بهديهم ولكن الجمود صير كل شيء
صعبا وكل أمر غير مستطاع.
فهذه جناية من جنايات الجمود على أبناء المسلمين الذين يتعلمون في مدارس
أجنبية يخرجهم من دينهم من حيث لا يشعرون. ويا ليتهم يستبدلون بالدين رادعا
آخر من الأدب والحكمة كما يرجو بعض المغرورين الذين لا يعلمون طبائع هذه
الأمم أو كما يروجه بعض من لا يريد الخير بها، ولكنه ترك أفئدتهم هواء خالية من
كل زاجر أو دافع اللهم إلا زاجرا عن خير أو دافعا إلى شر فاتخذوا إلههم هواهم
وإمامهم شهوتهم فهلكوا وأهلكوا. ومن هؤلاء ورثة الأغنياء الذين تصيح من شرور
أعمالهم الجرائد كل يوم. فالجهل خير مما يتعلم هؤلاء بدون ريبة وليت الإسلام لم
يرحب صدره لمثل هذا الضر من التعليم والتعلم.
* * *
(جمود تلامذة المدارس الرسمية والأهلية)
أما المتعلمون في مدارس رسمية أو غير رسمية للتعليم الديني فيها شيء من
البقية. فهؤلاء ينشأون على شيء من المعارف في الفنون المختلفة وتقرر لهم
حقائق في الكون السماوي أو الأرضي أو في الاجتماع الإنساني ومن عرف شيئا
انطلق لسانه بالخوض فيه وقد يسمعه متنطع ممن يلبس لباس أهل الدين وهو جامد
على ألفاظ سمعها، فلو سمع غيرها أنكره وظنه مخالفا للعقيدة الصحيحة فيأخذ يلوم
المتعلم ويوبخه ويرميه بالمروق من الدين. هذا والمتعلم لا يشك في قوة دليله
ولجهله بالدين يعتقد أن ما يقوله خصمه منه فينفر من دينه نفرته من الجهل. ولو
قال له قائل: ارجع إلى كتب الدين تجد فيها ما يسرك وينصرك على نفسك
وخصمك. حار لا يدري إلى أي كتاب يرجع ولم يسهل عليه فهم تلك العبارات
التي ورثها القوم على ما فيها من تشتيت وتعقيد وأبقوها ما ورثوها. فيعود إلى
النفور من الدين نفور طالب الفهم مما لا يمكنه فهمه.
لهذا يعتقد أكثر هؤلاء أن الدين شيء غير مفهوم بل قد يعده بعضهم خرافة
(نعوذ بالله) فيأخذون عنه جانبا ويتركون عقائده وفضائله وآدابه ويلتمسون لهم
آدابا في غيره وقلما يجدونها فتراهم وقد فترت قلوبهم وقصرت هممهم فلا يطلبون
إلا ما تطلبه العامة من كسب معيشة أو علو جاه ويسلكون إلى ذلك أي طريق ولو
أضروا بالعامة أو الخاصة (ما دام الشرف محفوظا) فإذا وجد بينهم من يدعي
الوطنية أو الغيرة الملية أو نحو ذلك فإنما ينثر الألفاظ نثرا لا يرجع فيها إلى أصل
ثابت، ولا إلى علم صحيح ولهذا يطلب المصلحة لبلاده من الوجه الذي يؤدي إلى
المفسدة وهو يشعر أو لا يشعر على حسب حاله. ومنهم من يصيح باسم الدين ولا