تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن لم يكن في حق الأمر من أهل العلم وتتناقض عقائدهم على حسب تناقض

مسموعاتهم.

انجر التساهل في الاعتماد على النقل إلى الخروج عما اختطه لنا السلف

- رضي الله عنهم - فقد كانوا ينقبون عن صفات من ينقلون عنه ويمتحنون قوله

حتى يكونوا على شبه اليقين من أنه موضع الثقة. ولكن جمود المتأخر على ما يصل

إليه من المتقدم صير النقل فوضى فتجد كل شخص يأخذ عمن عرفه وظن أنه أهل

للأخذ عنه بدون بحث ولا تنقيب حتى شاع بين الناس من الأقوال وموضوعات

الأحاديث ما ترتفع الأصوات بالشكاية منه من حين إلى حين. وكل ما نراه من

البدع المتجددة فمنشأه سوء الاعتقاد الذي نشأ من رداءة التقليد والجمود عند حد ما

قال الولي بدون بحث في دليله ولا تحقيق في معرفة حاله وإهمال العقل في العقائد

على خلاف ما يدعو إليه الكتاب المبين والسنة الطاهرة. دخلت على الناس لذلك عقائد

يحتاج صاحب الغيرة على الدين في اقتلاعها من أنفسهم إلى عناء طويل وجهاد شديد،

وسلاحه الكتاب وسلاح أعدائه أقوال بعض من تقدم ممن يعرف ومن لا يعرف. وما

أكثر عدد من ينصر أعداءه اليوم، وما أقلهم غدا إن شاء الله.

سأل سائل الأستاذ شيخ الجامع الأزهر عن حكم عمل من الأعمال الجارية

في المساجد يوم الجمعة - ومنزلة الشيخ من الرياسة في أهل العلم بالدين منزلته -

فأفتى بما ينطبق على السنة وما يعرفه العارفون بالدين، وقال: إن العمل بدعة من

البدع يجب التنزه عنها. أتظن أن المستفتي أمكنه العمل بمقتضى الفتيا؟ كلا.

حدث قيل وقال وكثرة تسآل، ودخلت السياسة ثم قيل: إن الزمان ناصر الحقيقة

وقد وجدنا الأمر كذلك من قبلنا وسكت السائل وماذا يصنع المجيب. نعم هذا من

شؤم ذلك الجمود فقد فصل بين العامة ومن يرجى فيهم تقويم ما اعوج منها ووكلها

إلى أناس منها لا علم لهم بالدين ولا بالأدب وقد غرسوا في أذهان الدهماء شر

الغرس ولا تجني الأمم منه إلا أخبث الثمر. فلو قام العالم بالدين وأراد أن يبين

حكم الله المصرح به في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم المجمع عليه عند

السلف قاطبة انتصب له ناعر من العامة يصيح في وجهه {ما سمعنا بهذا في آبائنا

الأولين} (المؤمنون: 24) ويريد من آبائه الأولين من رآهم بعد ولادته أو ذكرت

له أسماؤهم بلسان مضليه حتى صار إرشاد العامة اليوم من أصعب الأمور وأشقها

على طالبه.

ماذا يمكن أن أقول؟ أصبح الرجل يرتكب في وسائل العبادة أقبح المنكرات

في الدين وإذا دعي إلى ترك المنكر نفر وزمجر، وأبى واستكبر، انظر ماذا يصنع

الموسوسون ومن يقرب منهم في الاستبراء من البول على مرأى من المارة وفيهم

النساء والأطفال وهم يظنون أنهم يتقربون إلى الله بما يفعلون.

هذا هو شأن العامة يرون ما ليس بدين دينا ويصعب على حفاظ الدين

إرشادهم بفضل جمودهم على ما ورثوا من ملقنيهم بدون تعقل. فهذا معظم الأمة

تراه قد تملص من أيدي منذريه ولو شاءوا لأقبل كل منهم على صاحبه وهو أيسر

شيء على حمله الشريعة وما هو إلا أن يرجعوا إلى ما كان النبي صلى الله عليه

وسلم وأصحابه من سعة الدين وسماحته، ثم العمل على حفظه وحياطته.

* * *

(الجمود ومتعلمو المدارس النظامية)

ثم إن الجمود قد أحدث لنا فريقا آخر وهو فريق المتعلمين على الطرق

الجديدة، إما في مدارس الحكومات الإسلامية وإما في المدارس الأجنبية داخل بلادهن

أو خارجا عنها. لا أتكلم عن هذا الفريق في بلاد القرم أو القوقاس أو سمرقند

وبخارى أو الهند فإني لا أعرف كثيرا من أحوالهم، ومن رأيته منهم رأيت فيه خيرا

وأرجو أن يكون منهم لقومهم ما ينتظره الإسلام من العارفين به فقد رأيت أفرادا

قليلين من هؤلاء تعلموا في البلاد الأوربية ودرسوا العلوم فيها درسا دقيقا وهم أشد

تمسكا بلب الدين الإسلامي وروحه من كثير ممن يدعي الورع والتقوى ولا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٦٦