تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بنفسك إلى أن تفهم الغرض من قول إمامك فتجد لأصله انطباقا على هذه الحادثة

مثلا وإن لم يأت ذكرها بنفسها في قوله أو قول من جاء بعده من أتباعه. قال:

سبحان الله: هل فعل ذلك أحد من المشايخ؟ يرى أن لا يأتي شيئا إلا ما أتى به

شيخه الذي أخذ عنه يدا بيد ولو أبعد بنظره لوجد قدماء المشايخ قد فعلوه وبالغوا فيه

حتى خالفوا من أخذوا عنه في بعض رأيه. ثم إذا حاججته في ذلك لم يبعد من رأيه

أن يعدك زنديقا وأنك تدعوه إلى الخروج من دينه ولا يدري المسكين أنه بذلك

يخالف نصوص دينه، وأنه يتهيأ للخروج منه نعوذ بالله تعالى.

كان كلام بيني وبين أحد المدرسين في أخذ الطلبة بالنصيحة وتذكيرهم

بفضائل الأخلاق وصالح الأعمال خصوصا عند إلقاء الدروس الفقهية ودروس

الحديث والتوحيد. فقال لي: إنه لا فائدة في ذلك قطعا وهو تعب في غير طائل.

فقلت له: ذلك حق عليك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وليس عليك أن

يأتمر المأمور ولا أن ينتهي المنهي. فقال: إذا تحققت استحالة المنفعة كان الأمر

والنهي لغوا. فانظر كيف اعتقد استحالة الانتفاع بنصحه لبلوغ الفساد من النفوس

غايته كما يزعم. ولم ينظر في الوسيلة لاقتلاع هذا الفساد مع أن الدين يدعوه إلى

ذلك وهو يعمل كل يوم عمله لتعليم من لا سبيل إلى إصلاحه. هذا كله لأنه لم ير

نفسه أهلا لأن يتخذ وسيلة لم يتخذها من أخذ عنه، أو لم يرشده إليها من تعلم هو بين

يديه ولم يتذكر عند ذلك شيئا من الأوامر الإلهية التي وردت في النصيحة والتآمر

بالمعروف والتناهي عن المنكر، وأن اليأس من روح الله إنما يكون من القوم

الكافرين أو الضالين.

لا بل إذا قلت له: إن هذا الضرب من ضروب التعليم عقيم لا ينتج المطلوب

منه، أو إن هذا الكتاب الذي تعود الطلاب قراءته قد يضر بقارئيه وغيره أفضل

منه. كاد يظن أن قولك هذا مخالف للدين ورأى العدول عما تعوده نوعا من

الإخلال بالدين. وقد يقيم عليك حربا يعتقد نفسه فيها مجاهدا في سبيل الله إذا قلت

له: إن دروس السلف كانت تقريرا للمسائل وإملاء للحقائق على الطلاب ولم يكن

لأحد منهم كتاب يأخذه بيده ويقرئه تلامذته ولم يكن بأيدي الطلبة إلا الأقلام

والقراطيس يكتبون ما يسمعونه من أفواه أساتذتهم. وقد يعترف لك بصحة ما تقول

ولكنه يستمر في عمله اعتمادا على أنه وجد الناس هكذا يعملون. فهل يخطر ببال

عاقل أن هذا الجمود من الدين؟ وهل يرتاب من له أدنى إدراك في سوء عقباه على

الدين وأهل الدين؟

جناية الجمود على العقيدة: ذلك جمودهم في العمل وأشد ضررا منه الجمود

في العقيدة. نسوا ما جاء في الكتاب وأيدته السنة من أن الإيمان يعتمد اليقين ولا

يجوز الأخذ فيه بالظن، وأن العقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته

والتصديق بالرسالة، وأن النقل ينبوع له فيما بعد ذلك من علم الغيب كأحوال الآخرة

وفروض العبادات وهيآتها، وأن العقل إن لم يستقل وحده في إدراك ما لا بد فيه من

النقل فهو مستقل لا محالة في الاعتقاد بوجود الله وبأنه يجوز أن يرسل الرسل

فتأتينا عنه بالمنقول. نسوا ذلك كله وقالوا: لا بد من اتباع مذهب خاص في العقيدة

وافترقوا فرقا وتمزقوا شيعا كما قلنا، ولم يكفهم الإلزام باتباع مذهب خاص في

نفس المعتقد بل ذهب بعضهم إلى أنه لا بد من الأخذ بدلائل خاصة للوصول إلى

ذلك المعتقد فيكون التقليد في الدليل كالتقليد في المدلول.

وكأنهم لذلك جعلوا النقل عمادا لكل اعتقاد ويا ليته النقل عن المعصوم بل النقل

ولو عن غير المعروف، فتقررت لديهم قاعدة أن عقيدة كذا صحيحة؛ لأن كتاب كذا

للمصنف فلان يقول ذلك. ولما كانت الكتب قد تختلف أقوالها صار من الصعب أن

يجد الواحد منهم لنفسه عقيدة قارة صافية غير كدرة ولا متزعزعة. وقد سرى ذلك

من قراء المقلدين إلى أمييهم فتراهم يعتقدون بكل ما يقال وينقل عن معروف الاسم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٦٥