تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نحن فيه.

يجد المطلع على كتب المختلفين من مطاعن بعضهم في بعض ما لا يسمح به

أصل من أصول الدين الذي ينتسبون إليه. يضلل بعضهم بعضا ويرمي بعضهم بعضا

بالبعد عن الدين وما المطعون فيه بأبعد عن الدين من الطاعن ولكنه الجمود، قد يؤدي

إلى الجحود.

كان الاختلاف في العقائد على نحو الاختلاف في الفتيا تخالف أشخاص في

النظر والرأي. وكان كل فريق يأخذ عن الآخر ولا يبالي بمخالفته له في رأيه.

مسجدهم واحد وإمامهم واحد وخطيبهم واحد. فلما جاء دور الجمود - دور السياسة

- أخذ المتخالفون في التنطع، وأخذت الصلات تتقطع، وامتازت فرق وتألفت

شيع. كل ذلك على خلاف ما يدعو إليه الدين. وقد بذل قوم وسعهم في

تمييز الفرق تمييزا حقيقيا فما استطاعوا وإنما هو تمييز وهمي، وخلف في أكثر

المسائل لفظي، وإنما هي الشهوات وضرب السياسات أشعلت نيران الحرب بين

المنتسبين إلى تلك الشيع حتى آل الأمر إلى هذه الفرقة التي يظن الناظر فيها أنها لا

دواء لها.

قال قائل من عدة سنين: إنه ينبغي أن يعين القضاة في مصر من أهل

المذاهب الأربعة؛ لأن أصول هذه المذاهب متقاربة وعبارات كتبها مما يسهل على

الناظر فيها أن يفهمها. وقال: إن الضرورة قاضية بأن يؤخذ في الأحكام ببعض

أقوال من مذهب مالك أو مذهب الشافعي تيسيرا على الناس ودفعا للضرر والفساد.

فقام كثير من المتورعين يحوقلون ويندبون حظ الدين، كأن الطالب يطلب شيئا

ليس من الدين، مع أنه لم يطلب إلا الدين، ولم يأت إلا بما يوافق الدين، وبما

كان عليه العمل في أقطار العالم إلى ما قبل عدة سنين. فأين قول هؤلاء (وكلهم

من رسول الله ملتمس) ؟ لكن هو جمود المتأخر على رأي من سبقه مباشرة وقصر

نظره عليه دون التطلع إلى ما وراءه، أو هي السياسة تحل ما تشاء، وتحرم ما

تشاء وتصحح ما تشاء، وتبطل ما تشاء، والناس منقادون إليها بأزمة الأهواء.

جناية الجمود على الشريعة: هذا الجمود في أحكام الشريعة جر إلى عسر

حمل الناس على إهمالها. كانت الشريعة الإسلامية أيام كان الإسلام إسلاما سمحة

تسع العالم بأسره وهي اليوم تضيق عن أهلها حتى يضطروا إلى أن يتناولوا غيرها

وأن يلتمسوا حماية حقوقهم فيما لا يرتقي إليها. وأصبح الأتقياء من حملتها

يتخاصمون إلى سواها.

صعب تناول الشريعة على الناس حتى رضوا بجهلها عجزا عن الوصول إلى

علمها فلا ترى العارف بها من الناس إلا قليلا لا يعد شيئا إذا نسب إلى من لا يعرفها.

وهل يتصور من جاهل بشريعة أن يعمل بأحكامها؟ فوقع أغلب العامة في مخالفة

شريعتهم بل سقط احترامها من أنفسهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يطبقوا أعمالهم على

مقتضى نصوصها. وأول مانع لهم ضيق الطاقة عن فهمها لصعوبة العبارات وكثرة

الاختلاف. سألت يوما أحد المدرسين في بعض المذاهب: هل تبيع وتشتري

وتصرف النقود على مقتضى ما تجد في كتب مذهبك؟ فأجاب أن تلك الأحكام قلما

تخطر بباله عند المعاملة بالفعل وإنما يفعل ما يفعل الناس. هكذا فعل الجمود بأهله

ولو أرادوا أن تكون للشريعة حياة تحيي بها الناس لفعلوا ولسهل عليهم وعلى الناس أن

يكونوا بها أحياء.

تعلم ما وصل إليه الناس من فساد الأخلاق والانحراف عن الشريعة. لو

سألت عن سببه في القرى وصغار المدن لوجدته أحد أمرين: إما فقد العارف

بالشريعة والدين، وسقوط القرية أو المدينة في جاهلية جهلاء يرجع بعض أهلها

إلى بعض في معرفة الحلال والحرام وليس المسئول بأعلم من السائل والكل

جاهلون. وإما عجز العارف عن تفهيم من يسأله لاعتقال لسانه عن حسن التعبير

بطريقة تفهمها العامة وعلى المتكلم إفهامها. وذلك للحرج الذي وضع فيه نفسه فلا

يستطيع التصرف فيما يسمع ولا فيما يعلم. فإذا قلت للعارف تعلم من وسائل

التعبير ما يقدرك على مخاطبة الطبقات المختلفة من الناس حتى تنفع بعلمك واعل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٦٤