به إلى أطباق السماء ليقف به على أثر من آثار الله أو يكشف به سرا من أسراره
في خليقته، أو يستنبط حكما من أحكام شريعته، فكانت جميع الفنون مسارح
للعقول تقتطف من ثمارها ما تشاء وتبلغ من التمتع بها ما تريد، فلما وقف الدين،
وقعد طلاب اليقين، وقف العلم وسكنت ريحه، ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار
سير التدريج.
إفساد الجمود للغة: أول جناية لهذا الجمود كانت على اللغة العربية وأساليبها
وآدابها فإن القوم كانوا يعنون بها لحاجة دينهم إليها - أريد حاجتهم في فهم كتابهم
إلى معرفة دقائق أساليبها - وما تشير إليه هيئة تركيبها، وكانوا يجدون أنهم لن
يبلغوا ذلك حتى يكونوا عربا بملكاتهم، يساوون من كانوا عربا بسلائقهم، فلما لم
يبق للمتأخر إلا الأخذ بما قال المتقدم قصر المحصلون تحصيلهم على فهم كلام من
قبلهم واكتفوا بأخذ حكم الله منه بدون أن يرجعوا إلى دليله، ولو نظروا في الدليل
فرأوه غير دال له بل دالا لخصمه بأن كان عرض له في فهمه ما يعرض للبشر
الذين لم يقرر الدين عصمتهم لخطأوا نظرهم وأعموا أبصارهم وقالوا: نعوذ بالله
أن تذهب عقولنا إلى غيب ما ذهب إليه متقدمنا وأرغموا عقلهم على الوقفة فيصيبه
الشلل من تلك الناحية. فأي حاجة له بعد ذلك إلى اللغة العربية نفسها وقد يكفيه
منها ما يفهم به أسلوب كلام المتقدم وهو ليس من أولئك العرب الذين كان ينظر
الأولون في كلامهم.
وهكذا كل متأخر يقصر فهمه على النظر في كلام من يليه هو غير مبال
بسلفه الأول، بل ولا بما كان يحف بالقول من أحوال الزمان فهو لا ينظر إلا اللفظ
وما يعطيه فتسقط منزلته في تحصيل اللغة بمقدار بعده عن أهلها حتى وصل حال
الناس إلى ما نراهم عليه اليوم. جعلوا دروس اللغة لفهم عبارة بعض المؤلفين في
النحو وفنون البلاغة - وإن لم يصلوا منها إلى غاية في فهم ما وراءها - فدرست علوم
الأولين وبادت صناعاتهم، بل فقدت كتب السلف الأولين رضي الله عنهم، وأصبح
الباحث عن كتاب المدونة لمالك - رحمه الله تعالى - أو كتاب الأم للشافعي - رحمه
الله تعالى - أو بعض كتب الأمهات في فقه الحنفية كطالب المصحف في بيت
الزنديق. تجد جزءا من الكتاب في قطر، وجزءه الآخر في قطر آخر فإذا اجتمعت لك أجزاء الكتاب وجدت ما عرض عليها من مسخ النساخ حائلا بينك وبين الاستفادة
منها.
هذا كله من أثر الجمود وسوء الظن بالله وتوهم أن أبواب فضل الله قد أغلقت
في وجوه المتأخرين، ليرفع بذلك منازل المتقدمين، وعدم الاعتبار بما ورد في
الأخبار من أن المبلغ ربما كان أوعى من السامع [1] وأن هذه الأمة كالمطر لا يدرى
أوله خير أم آخره [2] وقلة الالتفات إلى أن ذلك قد أضاع آثار المتقدمين أنفسهم ولا
حول ولا قوة إلا بالله.
لا ريب أن القارئ يحيط بمقدار ضرر هذه الجناية على اللغة ثم يكفيه من ذلك
أنه إذا تكلم بلغته لغة دينه وكتابه وقومه لا يجد من يفهم ما يقول، وأي ضرر أعظم
من عجز القائل عن أن يصل بمعناه إلى العقول.
إفساد النظام والاجتماع: وأعظم من هذه الجناية جناية التفريق وتمزيق نظام
الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في
الدين. كان اختلاف السلف في الفتيا يرجع إلى اختلاف أفهام الأفراد، والكل يرجع
إلى أصل واحد لا يختلفون فيه وهو كتاب الله وما صح من السنة فلا مذهب ولا
شيعة ولا عصبية. ولو عرف بعضهم صحة ما يقول الآخر لأسرع إلى موافقته كما
صرح به جميعهم. ثم جاء أنصار الجمود فقالوا: يولد مولود في بيت رجل من
مذهب إمام فلا يجوز له أن ينتقل من مذهب أبيه إلى مذهب إمام آخر. وإذا سألتهم
قالوا: (وكلهم من رسول الله ملتمس) ولكنه قول باللسان، لا أصل له في الجنان،
ثم كانت حروب جدال بين أئمة كل مذهب لو صرفت آلاتها وقواها في تبيين
أصول الدين ونشر آدابه وعقائده الصحيحة بين العامة لكنا اليوم في شأن غير ما