تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام بخشونة الجهل يحملون ألوية الظلم. لبسوا الإسلام على أبدانهم، ولم ينفذ منه

شيء إلى وجدانهم، وكثير منهم كان يحمل إلهه معه يعبده في خلوته، ويصلي مع

الجماعات لتمكين سلطته، ثم عدا على الإسلام آخرون كالتتار وغيرهم. ومنهم من

تولى أمره، أي عدو لهؤلاء أشد من العلم الذي يعرف الناس منزلتهم ويكشف لهم

قبح سيرهم؟ فمالوا على العلم وصديقه الإسلام ميلتهم. أما العلم فلم يحفلوا بأهله،

وقبضوا عنه يد المعونة وحملوا كثيرا من أعوانهم أن يندرجوا في سلك العلماء وأن

يتسربلوا بسرابيله ليعدوا من قبيلة، ثم يضعوا للعامة في الدين ما يبغض إليهم

العلم ويبعد بنفوسهم عن طلبه. ودخلوا عليهم وهم أغرار من باب التقوى وحماية

الدين. زعموا الدين ناقصا ليكملوه، أو مريضا ليعللوه، أو متداعيا ليدعموه؛ أو يكاد

أن ينفض ليقيموه.

نظروا إلى ما كانوا عليه من فخفخة الوثنية، وفي عادات من كان حولهم من

الأمم النصرانية، فاستعاروا من ذلك للإسلام ما هو براء منه لكنهم نجحوا في إقناع

العامة بأن في ذلك تعظيم شعائره، وتفخيم أوامره، والغوغاء عون الغاشم، وهم يد

الظالم، فخلقوا لنا هذه الاحتفالات وتلك الاجتماعات، وسنوا لنا من عبادة الأولياء

والعلماء والمتشبهين بهم ما فرق الجماعة وأركس الناس في الضلالة، وقرروا أن

المتأخر ليس له أن يقول بغير ما يقول المتقدم، وجعلوا ذلك عقيدة حتى يقف الفكر

وتجمد العقول. ثم بثوا أعوانهم في أطراف الممالك الإسلامية ينشرون من القصص

والأخبار والآراء ما يقنع العامة بأنه لا نظر لهم في الشئون العامة، وأن كل ما هو

من أمور الجماعة والدولة فهو مما فرض فيه النظر على الحكام دون من عداهم

ومن دخل في شيء من ذلك من غيرهم فهو متعرض لما لا يعينه، وأن ما يظهر

من فساد الأعمال واختلال الأحوال، ليس من صنع الحكام وإنما هو تحقيق لما ورد

في الأخبار من أحوال آخر الزمان. وأنه لا حيلة في إصلاح حال ولا مآل، وأن

الأسلم تفويض ذلك لله، وما على المسلم إلا أن يقتصر على خاصة نفسه. ووجدوا

في ظواهر الألفاظ لبعض الأحاديث ما يعينهم على ذلك وفي الموضوعات

والضعاف ما شد أزرهم في بث هذه الأوهام. وقد انتشر بين المسلمين جيش من

هؤلاء المضلين وتعاون ولاة الشر على مساعدتهم في جميع الأطراف، واتخذوا من

عقيدة القدر مثبطا للعزائم وغلا للأيدي عن العمل. والعامل الأقوى في حمل

النفوس على قبول هذه الخرافات إنما هو السذاجة وضعف البصيرة في الدين

وموافقة الهوى. أمور إذا اجتمعت أهلكت؛ فاستتر الحق تحت ظلام الباطل ورسخ

في نفوس الناس من العقائد ما يضارب أصول دينهم ويباينها على خط مستقيم كما

يقال.

هذه السياسة سياسة الظلمة وأهل الأثرة هي التي روجت ما أدخل على الدين

مما لا يعرفه وسلبت من المسلم أملا كان يخترق به أطباق السماوات، وأخلدت به إلى

يأس يجاور به العجماوات، فجل ما تراه الآن مما تسميه إسلاما فهو ليس بإسلام

وإنما حفظ من أعمال الإسلام صورة الصلاة والصوم والحج وقليل من الأقوال

التي حرفت عن معانيها. ووصل الناس بما عرض على دينهم من البدع والخرافات

إلى الجمود الذي ذكرته وعدوه دينا. نعوذ بالله منهم ومما يفترون على الله ودينه.

فكل ما يعاب الآن على المسلمين ليس من الإسلام وإنما هو شيء آخر سموه

إسلاما. والقرآن شاهد صادق {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل

من حكيم حميد} (فصلت: 42) يشهد بأنهم كاذبون، وأنهم عنه لاهون، وعما

جاء به معرضون، وسنوفي لك الكلام في مفاسد هذا الجمود نثبت أنه علة لا بد أن

تزول.

* * *

(مفاسد هذا الجمود ونتائجه)

طال أمد هذا الجمود لاستمرار عمل العاملين في المحافظة عليه، وولوع

شهواتهم بالدفاع عنه، وقد حدثت عنه مفاسد يطول بيانها وإنما يحسن إجمال القول

فيها. كان الدين هو الذي ينطلق بالعقل في سعة العلم ويسيح به في الأرض ويصعد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٦٢