يعدون الهندسة والفنون الرياضية من الآلات المنطقية، يستعملونها في الاستدلال
على القضايا النظرية، وهي من أصدق الأدلة في الإيصال إلى المجهولات كما هو
معروف.
العرب هم أول من استعمل الساعات الدقاقة للدلالة على أقسام الزمن وهم
أول من أتقن استعمال الساعات الزوالية لهذا الغرض. وقد اكتشفوا قوانين لثقل
الجسام جامدها ومائعها حتى وضعوا لها جداول في غاية الدقة والصحة كما وضعوا
جداول للأرصاد الفلكية وكانت تلك الجداول معروفة يطلع عليها الناظرون في
سمرقند وبغداد وقرطبة حتى لقد وصلوا بتلك القوانين إلى ما يقرب من اكتشاف
الجاذبية.
لا يمكنني في مقالي هذا أن أعد ما اكتشف العرب ولا ما زادوه في العلوم
على اختلاف أنواعها فذلك يحتاج إلى سفر كبير. وقد أحصى ذلك أهل المعرفة
والإنصاف من فلاسفة الأوربيين ومؤرخيهم. وربما يتيسر لأبناء الأمة العربية أن
ينشروا ذلك لإخوانهم حتى يعرفوا ما كان عليه أسلافهم [1] ولكني أذكر كلمة قالها
بعض حكماء الغربيين [2] : (تأخذنا الدهشة أحيانا عندما ننظر في كتب العرب فنجد
آراء كنا نعتقد أنها لم تولد إلا في زماننا كالرأي الجديد في ترقي الكائنات العضوية
وتدرجها في كمال أنواعها فإن هذا الرأي كان مما يعلمه العرب في مدارسهم وكانوا
يذهبون به إلى أبعد مما ذهبنا، فكان عندهم عاما يشمل الكائنات غير العضوية
والمعادن.
والأصل الذي بنيت عليه الكيمياء عندهم هو ترقي المعادن في أشكالها.
قال الخازني: إذا سمع الشعب الجاهل ما يقال بين العلماء أن الذهب قد تقلب في
الأشكال المختلفة حتى صار ذهبا ظن من هذا أنه مر في صور معادن أخرى فكان
رصاصا ثم قصديرا ثم صفرا ثم فضة ثم صار بعد ذلك ذهبا. ولا يعلم أن الفلاسفة
إذا قالوا ذلك فإنما يقصدون منه ما أرادوه من قولهم في الإنسان أنه وصل إلى حالته
الحاضرة بالتدريج ومن طريق الترقي وهم لم يعنوا بقولهم هذا أنه تقلب في صور
الأنواع المختلفة كأن كان ثورا ثم حمارا ثم فرسا ثم قردا ثم صار بعد ذلك
إنسانا) . اه، ويقول الفيلسوف كوستاف لوبون: (إن العرب أول من علم العالم
كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين) .
وهنا أنكر على بعض فلاسفتهم ما نقلوه عن ابن رشد من أنه ذهب في حرية
الرأي إلى نقض أصل الدين وقال: إن الروح لا بقاء لها بعد فناء الجسد وإنما الذي
يبقى هي أرواح الأنواع. فإن هذا خطأ عرض لهم من سوء فهم كلامه في بيان
بقاء الأنواع دون الأشخاص فإنه قال كما قال أرسطو وغيره: إن الأشخاص توجد
وتفنى، وأما الأنواع فهي باقية لا تزول. وهذا باب آخر يغير بالمرة ما استنتجوا
منه (وقد سبق الكلام في بيان رأيه من وجه آخر) [3] كما أخطأوا في قولهم عنه
أنه كان يعتقد بأن الله روح العالم يظهر في صورة والكل يرجع إليه بمعنى: أنه يفنى
في ذاته ولا يبقى في العالم باق آخر وهو يقرب من قولهم السابق. فإن ابن رشد
كان مسلما وكان يعرف أن الإسلام لا ينافي العلم وإنما ينافي هذا الضرب من الوهم
الذي لم يسقط فيه أحد إلا من عثرة في طريق العلم أو الاسترسال مع الخيال.
وكثير ممن سكروا بهذا الرأي أفاقوا منه. ولكن كتب ابن رشد التي بين أيدينا تبعد
بنا عن نسبة هذا الرأي إليه كما سبق بيانه [4] ولكني لا أنكر نسبته لو نسب إلى ابن
سبعين وهو ممن أخذ عن تلامذة ابن رشد فإن في كلامه ما يدل على ذلك.
ويقول فيلسوف آخر: (إن العلوم التي تلقاها العرب عن اليونانيين وغيرهم
وكانت ميتة بين دفات الدفاتر مقبورة بين جدران المكاتب أو مخزونة في بعض
الرءوس، كأنها أحجار ثمينة في بعض الخزائن لا حظ للإنسانية منها سوى النظر
إليها - صار عند العرب حياة الآداب، وغذاء الأرواح، وروح الثروة، وقوام
الصنعة، ومهمازا للقوى البشرية يسوقها إلى كمالها الذي أعدت له. وليس في
الأوربيين من درس التاريخ وحكم العقل ثم ينكر أن الفضل - في إخراج أوربا من