تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وزير واحد لأحد السلاطين (هو نظام الملك) مائتي ألف دينار على بناء مدرسة في

بغداد، وجعل لها من الريع يصرف في شئونها خمسة عشر ألف دينار في السنة.

وكان الذين يغذون بالمعارف فيها ستة آلاف تلميذ فيهم ابن أعظم العظماء في

المملكة وابن أفقر الصناع فيها، غير أن الفقير ينفق عليه من الريع المخصص

للمدرسة وابن الغني يكتفي بمال أبيه. والمعلمون كانوا ينقدون رواتب

وافرة) . اه

انقسمت الممالك الإسلامية في زمن من الأزمان إلى ثلاثة أقسام وتنازع

الخلافة ثلاث شيع. كان العباسيون في آسيا (الشرق) والأمويون في الأندلس من

أوروبا (الغرب) والفاطميون في مصر من أفريقيا (الوسط) ولم يكن تنافس هذه

الدول الثلاث قاصرا على الملك والسلطان ولكن كان التنافس في العلم والأدب.

وكان مرصد سمرقند قائما في ناحية المشرق يشير إلى ما كان عليه المشرقيون من

العناية برياضة الأفلاك، ومرصد جيرالد في الأندلس يجيبه بأن أهل المغرب ليسوا

بأحط منهم في الإدراك.

جميع المدارس في البلاد الإسلامية أخذت نظام الامتحان في المدارس الطبية

عن مدرسة الطب في القاهرة وكان من أشد النظامات وأدقها. ولم يكن لطبيب أن

يمارس صناعته إلا على شريطة أن تكون بعد شهادة بأنه فاز في الامتحان على

شدته. وأول مدرسة طبية أنشئت في قارة أوربا على هذا النظام المحكم هي التي

أنشأها العرب في ساليرن من بلاد إيطاليا، وأول مرصد فلكي أقيم في أوروبا هو

الذي أقامه العرب في أشبيلية من بلاد أسبانيا.

ولع المسلمون بالعلوم الكونية على اختلافها، والفنون الأدبية بجميع أنواعها،

حتى القصص والأساطير الخيالية، في الأحوال الاجتماعية، وابتدأوا بأخذ العلم

عن اليونانية والسريانية، وأخذوا ينقلون كتب الأولين من تلك الألسن إلى اللغة

العربية بالترجمة الصحيحة، وكان مترجموهم في أول الأمر مسيحيين وصابئين

وغيرهم، ثم تعلم كثير من علماء المسلمين اللسان اليوناني واللاتيني وكتبوا معاجم

في اللسانين. وذلك كله ليأخذوا العلوم من أصولها، وينقلوها إلى لسانهم على

حسب ما يصل إليه علمهم فيها، وكان المعلمون لأبناء العظماء في أول الأمر من

المسيحيين واليهود ثم أنشئت المدارس الجامعة وكان المدرسون فيها من كل ملة

ودين. كل يعلم العلم الذي عرف هو بالبراعة فيه.

* * *

(علوم العرب واكتشافاتهم)

كان علم العرب في أول الأمر يونانيا لكنه لم يلبث كذلك إلا دون قرن واحد ثم

صار عربيا. ولم يرض العربي أن يكون تلميذا لأرسطو وأفلاطون أو إقليدس أو

بطليموس زمنا طويلا كما بقي الأوربي كذلك عشرة قرون كاملة من التاريخ

المسيحي.

قالوا: إن باكون هو أول من جعل التجربة والمشاهدة قاعدة للعلوم العصرية

وأقامها مقام الرواية عن الأساتذة والتمسك بآراء المصنفين وأطلق العلم من رق

التقليد. ذلك حق في أوربا. أما عند العرب فقد وضعت هذه القاعدة عندهم لبناء

العلم عليها في أواخر القرن الثاني من الهجرة. أول شيء تميز به فلاسفة العرب

عمن سواهم من فلاسفة الأمم هو بناء معارفهم على المشاهدات والتجربيات وأن لا

يكتفوا بمجرد المقدمات العقلية في العلوم ما لم تؤيدها التجربة حتى لقد نقل

جوستاف لوبون عن أحد فلاسفة الأوربيين: أن القاعدة عند العرب هي (جرب

وشاهد ولاحظ تكن عارفا) وعند الأوربي إلى ما بعد القرن العاشر من التاريخ

المسيحي (اقرأ في الكتب وكرر ما يقول الأساتذة تكن عالما) . (فلينظر

المصريون وغيرهم من الشرقيين كيف انقلب الحال، وماذا أعقب من سوء المآل)

قال ديلامبر في تاريخ علم الهيأة: (إذا عددت في اليونان اثنين أو ثلاثة من

الراصدين أمكنك أن تعد من العرب عددا كبيرا غير محصور) . أما في الكيمياء

فلا يمكنك أن تعد مجربا واحدا عند اليونانيين ولكنك تعد من المجربين مئين عند

العرب، ولهذا عدت الكيمياء الحقيقية من اكتشاف العرب دون سواهم. وقد كانوا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٤٠