ظلمة الجهل إلى ضياء العلم وفي تعليمها. كيف تنظر وكيف تتفكر وفي معرفتها أن
التجربة والمشاهدة هما الأصلان اللذان يبنى عليهما العلم - إنما هو للمسلمين
وآدابهم ومعارفهم التي حملوها إليهم وأدخلوها من أسبانيا وجنوب إيطاليا وفرنسا
عليهم. وكان من حظ العلم العربي والأدب المحمدي عندما دخلا إلى إيطاليا أن
البابا كان غائبا لأن كرسيه كان انتقل إلى فرنسا في أفنيون نحو سبعين سنة فدب
العلم إلى شمال إيطاليا واستقر به القرار هناك. إن شوارع باريس لم تفرش
بالحجارة إلا في القرن الثاني عشر وقد رصت بالبلاط على نحو ما رصت به مدن
أسبانيا) . اه
ويقول آخر: (لا أدري كيف أعطانا الإسلام في مدة قرنين عددا من الفلكيين
يطول سرد أفراده وإن الكنيسة تسلطت على العالم المسيحي اثني عشر قرنا في
أوربا ولم تمنحنا فلكيا واحدا) .
هذا النماء والزكاء العلمي لم يكن خاصا بطائفة دون طائفة بل كان الناس في
التمكن من تناوله سواء، وإنما كان التفاضل بالجد والعمل، والفضل في ذلك كله
لحلم الخلفاء وعمالهم، وسماحة الدين ويسره وسهولته على أهله وأهل ذمته. قال
بعض فلاسفة الغربيين قولا يعرفه الحق وتثبته المشاهدة: (إن شعوب الأرض لم
تر قط فاتحا بلغ من الحلم هذا المبلغ (يريد فاتحي الإسلام على اختلافهم) ولا دينا
بلغ في لينه ولطفه هذا الحد) .
* * *
(أخذ الخلفاء والأمراء بيد العلم والعلماء)
إن الخلفاء الذين يقال عنهم: إنهم رؤساء دين وحكام سياسة معا كانوا هم
بأنفسهم المتعلمين للعلوم الداعين إلى تعلمها. كانوا العالمين العاملين. كان خليفة
كالمأمون يضطهد أحيانا أعداء الفلسفة، وقد عرف التاريخ كثيرين من أرباب
الشهرة الذين قضوا في سجنه الشهور أو السنين؛ لأنهم كانوا يعادون الفلسفة ظنا
منهم أن منها ما يعدو على الدين فيفسده. هل رأيت في غير الإسلام رئيسا
يضطهد أعداء العلم وجفاة الفلسفة؟ لعلك لا تجده أبدا.
كان أهل العلم والأدب عامة يجدون من الاحترام عند الخلفاء والأمراء
والخاصة ما يليق بهم كيفما كان حالهم. وسأضرب المثل بالشيخ أبي العلاء المعري
لشهرته بين الناس بما يشبه الزندقة: يذكر علي بن يوسف القفطي أن صالح بن
مرداس صاحب حلب خرج إلى المعرة وقد عصى أهلها عليه فنازلها وشرع في
حصارها ورماها بالمنجنيق فلما أحس أهلها بالغلب سعوا إلى أبي العلاء بن سليمان
وسألوه أن يخرج ويشفع فيهم فخرج ومعه قائد يقوده فأكرمه صالح واحترمه ثم قال:
ألك حاجة؟ قال: الأمير أطال الله بقاءه كالسيف القاطع لان مسه وخشن حده،
وكالنهار البالغ قاظ وسطه وطاب برده {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن
الجاهلين} (الأعراف: 199) ، فقال له صالح: قد وهبتها لك. ثم قال له:
أنشدنا شيئا من شعرك لنرويه فأنشده على البديهة أبياتا فيه فترحل صالح. فانظر
كيف وهب الأمير بلدا عصى أهله لفيلسوف معروف بما هو عنه معروف، ولو
ذكرت ما نال العلماء والفلاسفة عند الأمراء والخلفاء لطال بي المقال أكثر مما طال
وفيما سبق كفاية لمكتف.
* * *
(إزالة شبهتين وبيان حقيقة الاضطهاد)
قد يتوهم قوم أن الاضطهاد قد يظهر في مقت العامة وخلقهم ما يخلقون من
المفتريات على أهل العلم والفكر الحر وهمس بعضهم في آذان بعض وتغامزهم
على أهل الفضل، ولمزهم إياهم بالألقاب بل واحتقارهم في بعض الأحيان وهذا
النوع منه عند المسلمين بلا نكير، وهو خطأ ظاهر؛ لأن هذا النوع مما يكره أهل
العلم لا تخلو منه أرض ولا تطهر منه بلاد مهما بلغ أهلها من الحرية ومهما بلغ
ذوق العلم من نفوس أهلها فإن القائمين على عقيدة الكاثوليك إلى اليوم في أرض
فرنسا نفسها يمقتون الفلاسفة الذين يظهرون بمعاداة الكنيسة ويكتبون ما يوهن
قواعدها وقد يخلق عليهم أحزاب الكاثوليك ما لم يقولوه، ويرون أن النظر في كتبهم
لا يجوز في شريعة الدين. ونحن لا نرتاب في أن نحو هذا كان عند المسلمين أيام