اختلاف ضروبها.
* * *
(اشتغالهم بالعلوم الكونية في أوائل القرن الثاني)
انقضت دولة بني أمية والناس في ظلمات من الفتن كما قلنا ودالت الدولة لبني
العباس واستقرت في نصابها من آل بيت النبي قرب نهاية الثلث الأول من القرن
الثاني للهجرة (سنة 132) ، ثم نقل المنصور عاصمة الملك إلى بغداد فصارت بعد
ذلك عاصمة العلم والمدنية أيضا. وأخذ المنصور ينشئ المدارس للطب والشريعة
وكان قد جعل من زمنه ما ينفقه في تعلم العلوم الفلكية، وأكمل حفيده الرشيد ما شرع
فيه وأمر بأن يلحق بكل مسجد مدرسة لتعليم العلوم بأنواعها. وجاء المأمون
فوصلت به دولة العلم إلى أوج قوتها، ونالت به أكبر ثروتها، ويقال: إنه حمل
إلى بغداد من الكتب المكتوبة بالقلم ما يثقل مائة بعير، وكان من شروط صلحه مع
ميشيل الثالث أن يعطيه مكتبة من مكاتب الأستانة. فوجد مما فيها من النفائس كتاب
بطليموس في الرياضة السماوية فأمر المأمون في الحال بترجمته وسموه بالمجسطي
ولا يسهل على كاتب إحصاء ما ترجم من كتب العلوم على اختلافها في دولة بني
العباس أبناء عم الرسول صلى الله عليه وسلم.
* * *
(إنشاؤهم دور الكتب العامة والخاصة)
وقد أخذت دول الإسلام تعتني بديار الكتب عناية لم يسبقها مثلها من دول
سواها حتى كان في القاهرة في أوائل القرن الرابع مكتبة تحتوي على مائة ألف
مجلد منها ستة آلاف في الطب والفلك لا غير. وكان من نظامها أن تعار بعض
الكتب للطلبة المقيمين في القاهرة. وكان فيها كرتان سماويتان إحداهما من الفضة
يقال: إن صانعها بطليموس نفسه وإنه أنفق فيها ثلاثة آلاف دينار. والثانية من
البرنز، ومكتبة الخلفاء في أسبانيا بلغ ما فيها ست مائة ألف مجلد. وكان فهرستها
أربعة وأربعين مجلدا. وقد حققوا أنه كان في أسبانيا وحدها سبعون مكتبة عمومية.
وكان في هذه المكاتب مواضع خاصة للمطالعة والنسخ والترجمة.
وبعض الخاصة كانوا يولعون بالكتب ويجعلون ديارهم معاهد دراسة لما
تحتوي عليه. يقال إن سلطان بخارى دعا طبيبا أندلسيا ليزوره فأجابه أن ذلك لا
يمكنه؛ لأن كتبه تحتاج إلى أربعمائة جمل لتحملها وهو لا يستغني عنها كلها.
وكان حنين بن إسحق النسطوري في بغداد ممن جعل في داره مكتبة عامة يفد إليها
طلاب العلوم العقلية والرياضية وكان يتبرع بمذاكرتهم فيما يريدون المذاكرة فيه.
* * *
(إنشاؤهم المدارس للعلوم وكيفية التدريس)
غطي بسيط المملكة الإسلامية على سعتها بالمدارس. نقول (على سعتها)
لأنها زادت في السعة على المملكة الرومانية بكثير. فكنت تجد المدارس في كل
الأقطار: في المغول، في التتار من جهة المشرق، في مراكش، في فاس، في
أسبانيا من جهة المغرب.
كانت طريقة الأساتذة في التدريس أن كل مدرس يعد درسه ويكتب في
الموضوع الذي يلقي الدرس فيه ما يريد أن يكتب ثم يلقيه على التلامذة وهم يكتبون
عنه، ثم تكون هذه الدروس كتبا وأمالي تنشر بين الناس في كل علم. وهنا نبادر
إلى القول بأن المؤرخين قد أجمعوا على أن جميع المقالات والكتب كانت تنشر
ويتداولها الناس بدون أدنى مراقبة ولا حجر ولا نقص شيء مما كتب صاحب
الكتاب غير أن مؤرخا واحدا رأيته ذكر أنه قد وضع قانون في بعض الممالك
الإسلامية لنشر كتب العقائد مقتضاه أن لا ينشر منها شيء إلا بإذن، على أني لا
أعلم شيئا من ذلك وقع في الممالك الإسلامية أيام كان الإسلام إسلاما.
نرجع إلى الكلام في المدارس الإسلامية، يقول جبون في كلامه على حماية
المسلمين للعلم في الشرق وفي الغرب: (إن ولاة الأقاليم والوزراء كانوا ينافسون
الخلفاء، في إعلاء مقام العلم والعلماء، وبسط اليد في الإنفاق على إقامة بيوت
العلم ومساعدة الفقراء على طلبه، وكان عن ذلك أن ذوق العلم ووجدان اللذة في
تحصيله قد انتشرا في نفوس الناس من سمرقند وبخارى إلى فاس وقرطبة. أنفق