الديني الوحيد الذي كانت تلهج بذكره الجرائد الأوربية وتستقري أعماله وتتبع
حركاته وسكناته، وتبني عليها الآراء السياسية بل كان على زهده وانزوائه في
زاويته أشبه بملك عظيم أو قائد باسل مستعد لكفاح الأقران، وفتوح البلدان، وكان
الناس في أوربا وفي الشرق مختلفين في أمره، وهائمين في أودية الظنون من شأنه،
والأكثرون يعتقدون أن طريقته جامعة بين الدين والسياسة ومن أصولها الاستعداد
للمدافعة والمقارعة عند الحاجة إلى ذلك، واشتهر بين الناس في هذه البلاد وغيرها
أن أتباعه كانوا يعتقدون أنه المهدي المنتظر، وقد عرفت أحد دراويشه الصالحين
في صحراء طرابلس الغرب واستفدت منه فوائد كثيرة عن السنوسيين فكان مما قاله:
أنه يعتقدون أن شيخهم هو المهدي المنتظر، وأنه سيحج ويبايع في حرم مكة أو
في عرفة (الشك مني) وقال: إذا ذهب سيدي المهدي إلى الحجاز فال يتخلف أحد
من المغاربة عن الحج في تلك السنة إلا لعجز مقعد، وكان يقول أيضا: إن من
أصول الطريقة إحياء الأرض وغرس الأشجار واقتناء السلاح، ونحن نعلم أن
للسنوسيين أتباعا في مصر يكتمون كل ما يعرفون من أمرها بل يكتمون في الغالب
كونهم من أهلها.
مثل هذه الأخبار وذلك الاختبار، هو الذي أثار في النفوس عندنا ما أثار،
وأما الأوربيون فمنشأ أوهامهم وأحلامهم في السنوسيين جرائد فرنسا وكلامها.
(راجع صفحة 178 وما بعدها من مجلد المنار الأول تجد فيه النقول التي تؤيد هذا) .
وقد بلغنا أن الحكومة الفرنسوية قد خصصت مئة ألف فرنك في كل سنة
لمقاومة سلطة أصحاب الطريق في الجزائر وما يليها ويتصل بها وأن الذين يأخذون
هذا المال هم الذين كانوا يعظمون أمر التيجانية ثم صاروا يعظمون أمر السنوسية
بما يكتبونه في الجرائد والكتب، والله أعلم بالحقيقية، وإنما غرضنا من هذه الجملة
كلها بيان اختلاف الناس في أمر السنوسية وعذرهم في هذا الاختلاف.
وقد كتب في جريدة (الحاضرة) التونسية مقال بتوقيع (محمد الحشايشي)
في بيان الطريقة السنوسية وترجمة صاحبها، قال الكاتب: إنه كتب عن علم
وروية؛ لأنه ساح في الصحراء الكبرى وما جاورها من البلاد المجهولة واختبر
السنوسيين الاختبار التام، وكتب في ذلك رحلة سماها الرحلة الصحراوية،
ونلخص من مقالته المفيد؛ لأنها أوسع ما كتبه المسلمون في هذا الرجل الكبير
فنقول:
ساق أولا نسبه إلى سيدي إدريس بن عبد الإله بن الحسن المثنى بن الحسن
السبط ابن علي من فاطمة الزهراء عليهم السلام. ثم قال إن صاحب الترجمة من
مدينة مستغاقم بعمالة وهران (التابعة للجزائر) من قبيلة الخطاطبة، ارتحل والده
إلى مدينة فاس في سنة 1229 بعد أن حفظ القرآن بالروايات السبع وكان ابن ثمان
فاجتمع بالشيخ أحمد التيجاني شيخ الطريقة التيجانية الشيهر وتلقى هناك العلوم حتى
برز فيها ثم ارتحل إلى المشرق سنة 1245 قاصدا أداء فريضة الحج (وظهرت له
كرامات عديدة في طريقه فأقام بمكة المشرفة سنين عديدة ونشر في أثنائها طريقته
المستمدة من نفس الطريقة المحمدية التي أخذ إجازتها عن سيدي أحمد بن إدريس،
فانتشرت الطريقة في الحجاز واليمن إلى أن بلغت العراق وفي سنة 1259 انتقل
إلى الجبل الأخضر من وطن درنه وبنغازي (من ولاية طرابلس الغرب) وتصدى
للإرشاد، وولد له صاحب الترجمة سنة 1260 بالزاوية البيضاء فرباه التربية
الدينية في مهد العلم والإرشاد وحفظ القرآن في الثامنة ثم حفظ الكثير من المتون
الفقهية وغيرها واشتغل بطلب العلم على الأستاذ الحافظ الشيخ أحمد الريقي بعد ما
قرأ القرآن على مؤدبه الشيخ هاشم الصفاقسي والحافظ الشيخ مدين وأخذ علمي "
التفسير والتصوف عن والده وعلوم الأدب عن الشاعر الأديب الشيخ محمد أبو
سيف وعلمي الحديث والأصول عن الشيخ أحمد الريقي، جميع هؤلاء من علماء
المغرب بعضهم من الأقصى وبعضهم من الأدنى.