تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الهدون والسلام، الداعي إلى حسن الالتئام، فلا يخشين الرصيف منه إثارة الخصام،

وإن كان هو يحب الموادة ويدعو إليها فليدع الكلام فيما يتعلق بالإسلام. فإنه ليس

من موضوعه ولا يعنيه. ولا علم له بظاهره ولا خافيه. وهذا القدر يكفيه.

***

جاءنا من الأستاذ الفاضل صاحب التوقيع ما يأتي بنصه:

بماذا دفع العلماء نازلة الوباء؟

دفعوها يوم الأحد الماضي في الجامع الأزهر بقراءة متن البخاري موزعا

كراريس على العلماء وكبار المرشحين للتدريس في نحو ساعة جريا على عادتهم

من إعداد هذا المتن أو السلاح الحبري لكشف الخطوب وتفريج الكروب فهو يقوم

عندهم في الحرب مقام المدفع والصارم والأسل، وفي الحريق مقام المضخة والماء

وفي الهيضة مقام الحيطة الصحية وعقاقير الأطباء وفي البيوت مقام الخفراء

والشرطة وعلى كل حال هو مستنزل الرحمات ومستقر البركات.

ولما كان العلماء أهل الذكر والله يقول: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا

تعلمون} (النحل: 43) فقد جئت أسألهم بلسان كثير من المسترشدين عن مأخذ

هذا الدواء من كتاب الله أو صحيح سنة رسول الله أو رأي مستدل عليه لأحد

المجتهدين الذين يقلدونهم إن كانوا قد أتوا هذا العمل على أنه ديني داخل في دائرة

المأمور به. وإلا فعن أي حذاق الأطباء تلقوه ليتبين الناس منه أو من مؤلفاته عمل

تلاوة متن البخاري في درء الهيضة عن الأمة وأن هذا داخل في نواميس الفطرة أو

خارج عنها خارق لها.

وإذا كان هذا السر العجيب جاء من جهة أن المقروء حديث نبوي، فلم خص

بهذه المزية مؤلف البخاري ولم لم يجز في هذا موطأ مالك وهو أعلى كعبا وأعرق

نسبا وأغزر علما ولا يزال مذهبه حيا مشهورا. وإذا جروا على أن الأمر من وراء

الأسباب فلم لا يقرءه العلماء لدفع ألم الجوع كما يقرأونه لإزالة المغص أو القيء

والإسهال حتى تذهب شحناء الجراية من صدور كثير من أهل العلم، وعلى هذا

القياس يقرأ لكل شيء ما دامت العلاقة بين الشيء وسببه مفصومة.

فإن لم يستطيعوا عزو هذا الدواء إلى نطاس الأطباء سألت الملم منهم بالتاريخ

أن يرشدنا إلى من سن هذه السنة في الإسلام، وهل قرأ البخاري لدفع الوباء قبل

هذه المرة فإنا نعلم أنه قرأ للعرابيين في واقعة التل الكبير فلم يلبثوا أن فشلوا

ومزقوا شر ممزق، ونعلم أنه يقرأ في البيوت لتأمن من الحريق والسرقة ولكن بأجر

ليس شيئا مذكورا في جانب أجر شركة التأمين المعروفة مع أن الناس يتسابقون

إليها تسابقهم على شراء الدواء إذا نزل الداء ويعدلون عن الوقاية التي نحن بصددها

وهي تكاد تكون بالمجان ويجدون في نفوسهم اطمئنانا لتلك دون هذه.

فإن لم يجد العلماء عن هذه المسألة إجابة شافية خشيت كما يخشى العقلاء

حملة أهل الأقلام عليهم حملة تسقط الثقة بهم حتى من نفس العامة وحينئذ تقع

الفوضى الدينية المتوقعة من ضعف الثقة واتهام العلماء بالتقصير وكون أعمالهم

حجة على الدين. هذا - وقد لهج الناس بآراء على أثر الاجتماع الهيضي

الأزهري.

فمن قائل: إن العلماء المتأخرين من عادتهم أن يهربوا في مثل هذه النوازل

من الأخذ بالأسباب والاصطبار على تحملها لمشقتها الشديدة ويلجئون إلى ما وراء

الأسباب من خوارق العادات لسهولته ولإيهام العامة أنهم مرتبطون بعالم أرقى من

هذا العالم المعروف النظام فيكسبون الراحة والاحترام معا فيظهرون على الأمة

ظهور إجلال ويمتلكون قلوبهم ويسيطرون على أرواحهم ولهذا تمكثوا حتى فترت

شرة الوباء فقرأوا تميمتهم ليوهموا أن الخطر إنما زال ببركة تميمتهم وطالع يمنهم.

ومن قائل: إنهم يخدعون أنفسهم بمثل هذه الأعمال بدليل أن من يصاب منهم

لا يعالج مرضه بقراءة كراسة من ذلك الكتاب بل يعمد إلى المجربات من النعنع

والخل وماء البصل وما شابه أو يلجأ إلى الطبيب ولا تلتفت نفسه إلى الكراسة التي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٣٤