تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعالج بها الأمة فهذا يدل على أن القوم يعملون على خلاف ما في وجدانهم لهذه الأمة

خادعين أنفسهم بتسليم أعمال سلفهم.

ومن قائل: إن عدوا من أعداء الدين الإسلامي أراد أن يشكك المسلمين فيه

فدخل عليهم من جهة تعظيمه فأوحى إلى قوم من متعالميه السابقين أن يعظموا من

شأنه ويرفعوا من قدره حتى يجعلوه فوق ما جاءت له الأديان فيدعون كشف نوائب

الأيام بتلاوة أحاديث خير الأنام ويروجون ما يقولون بأنه جرب وأن من شك فيه فقد

طعن في مقام النبوة حتى إذا رسخت هذه العقيدة في الناس وصارت ملكة دينية

راسخة عند العوام وجربوها فلم تفلح وقعوا والعياذ بالله في الشك وأصابهم دوار

الحيرة كما حصل ذلك على إثر واقعة التل الكبير من كثير من الذين لم يتذوقوا

الدين من المسلمين حتى كانوا يسألون عن قوة البخاري الحربية ونسبته إلى البوارج

ساخرين منه ومن قارئيه ولولا وقوف أهل الفكر منهم على أن هذا العمل ليس من

الدين وأن القرآن يقول: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ (الأنفال: 60) إلخ لضلوا وأضلوا، وقد جرأ هذا الأمر غير المسلمين على

الخوض في الدين الإسلامي وإقامة الحجة على المسلمين من عمل علمائهم ولا حول

ولا قوة إلا بالله.

ويقول قوم: إن التقليد بلغ بالعلماء مبلغا حرم على العقول النظر في عمل

السلف وإن كذبته العينان، وخالف الحس والوجدان، ويقول آخرون ممن لا خبرة

لهم بهمة العلماء في مثل هذه الكوارث: أما كان ينبغي لهم أن ينبثوا في المساجد

والأندية والولائم حاثين الناس على الوقاية من العدوى معضدين الحكومة في تسكين

صورة الأهليين مفاوضين الصحة في فتح المساجد وتعهدها بالنظافة فإن هذا يرتبط

بهم أكثر مما يرتبط بوفد أيمان أعيان القاهرة جزاه الله خير الجزاء.

فإن أعوزهم البيان وخلب القلوب بذلاقة اللسان فلا أقل من أن يؤلفوا رسالة

في فهم ما ورد متشابها في موضوع العدوى حتى يعلم الناس أن الوقاية من الداء

مأمور بها شرعا وعقلا وسياسة فيكون كل فرد عارفا عضدا للحكومة ولو طلبوا

من الصحة طبع ما ألفوا وتوزيعه على المصالح والنواحي للبت ذلك شاكرة وكان

لهم الأثر النافع، هذا ما يقوله القوم في شأن علمائهم نرفعه إليهم ليكونوا على بينة

منه؛ لأنهم لا يختلطون بالناس غالبا إلا في الولائم والمآتم وإن اختلطوا فقلما

يناقشونهم في شيء تحرزا من جدتهم في المناقشة ورميهم مناظرهم لأول وهلة

بالزيغ والزندقة فلذلك يجاملونهم ويوافقونهم خشية الهجر والمعاندة.

أما أنا فإني لا أزال ألح في طلب الجواب الشافي عن أصل دفع الوباء بقراءة

الحديث وعن منح متن البخاري مزية لم يمنحها كتاب الله الذي نعتقد أنه متعبد

بتلاوته دون الحديث ولو كان هذا العمل من غير العلماء الرسميين لضربت عنهم وعن

عملهم صفحا ولما خططت كلمة، ولكنه من علماء لهم مراكز رسمية يزاحمون مراكز

الأمراء فيجب أن يؤبه لهم وأن ينظر لعملهم بإزاء مراكزهم من الأمة التي يسألون

عنها والله ولي التوفيق

(متنصح) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

باب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٣٥