علماء بالفلسفة وبعلوم الدين ومكلفين بأن يتصرفوا بما ينقلونه بحسب معارفهم حتى
يكون الكتاب مشتملا على فلسفة الناسخ لا فلسفة المؤلف. فإذا خالفوا لامهم من استأجرهم للنسخ أو اضطهدهم! ! !
ثانيها: أن الفيلسوف رينان - الذي نزهته الجامعة عن التعصب والذي
علمنا عنه أنه كان أشد المتعصبين على الإسلام حتى إن السيد جمال الدين
الأفغاني والشيخ محمد عبده ناظراه في باريس وأرجعاه عن كثير من خطئه -
قال: إن العرب أخطئوا في فهم فلسفة اليونان ونقلها. ومنهم ابن رشد.
ثالثها: أنه (لا مناص للكاتب العربي اليوم من أخذ تلك الفلسفة عن
الإفرنج أنفسهم ولا يشترط في هذا الأخذ سوى حسن اختيار المؤلف أي أن
يكون ثقة ومنصفا غير متعصب لفريق دون فريق. وهذا ما توخته الجامعة)
اه بنصه.
ولاحتمال اغترار الكاتب بهذه المقدمات التي صحح بها قوله نبشره بأنها لا تروج عند أحد طلاب العلم لأمور:
أحدها: أن العرب قد اعتنوا بأمر النقل والرواية اعتناء لم يسبقهم به سابق،
ولم يلحقهم فيه لاحق، ومن آثار ذلك أنهم نقلوا فلسفة اليونان بغاية الدقة
والإتقان، وقد تعلموا اليونانية ولهم فيها قواميس، وقد اعترف لهم الإفرنج
المنصفون بذلك وفضلوهم به على أنفسهم ومنهم سيديو المؤرخ الشهير.
ثانيها: أن الإفرنج برعوا في علوم التجربة ولكنهم لا يوثق بهم في علوم
النقل فكتبهم طافحة بالكذب على الإسلام والمسلمين في دينهم وتاريخهم. قال سيديو
في مبحث باشتغال العرب بالعلوم الرياضية: (وليس للعرب مجرد نقل كتب
اليونان حرفيا كما زعم بعض الإفرنج) ثم ذكر أنهم زادوا عليها ما اخترعوه في
هذه الفنون. وقال في أول المبحث الذي عقده في عدم اقتصار العرب على شرحهم
فلسفة أرسطو ما نصه معربا: (زعم الإفرنج أنه لم يكن فلسفة عربية، وما ذاك إلا
لجهلهم بأشغال العرب فإن جميع الدروس بمدارس أوربا في القرون المتوسطة
مستمدة من تآليف العرب الفلسفية) إلخ وقال غير ذلك بمعناه.
ثالثها: غير معقول أن الذين كانوا يستنسخون الكتب الحكمية كانوا يرضون بأن يغير النساخ فيها وغير معقول أن النساخ كانوا يستطيعون التصرف في تلك الكتب ويعملون بتلك الاستطاعة.
رابعها: أن ما نقلته الجامعة عن الإفرنج غير موثوق به؛ لأن صاحبها
غير عالم بالفلسفة فيستطيع نقلها من لغة إلى لغة؛ لأنه إذا كان لم يفهم فلسفة
المتكلمين بالعربية فكيف يفهم فلسفة ابن رشد واليونان من الفرنسية؟ ولو فرضنا
أنه أحسن الفهم فلا يسهل علينا أن نفرض أنه حسن القصد؛ لظهور تعصبه على
الإسلام والمسلمين، وإصراره على هذا التعصب ومماراته ومكابرته فيه بعد بيان
الحق له بالتي هي أحسن. وقد زعم في هذا الجزء أن المسلمين كاليهود والنصارى
يعتقدون أن العالم وجد منذ بضعة آلاف من السنين وليس هذا من اعتقاد المسلمين
في شيء. فما يدرينا أن كل نقله من هذا القبيل.
وأما كلام الجامعة فيما سمته الأمور الجزئية فحسبها فيه الخلط بين
الاصطلاحات العلمية ومعاني الكلم اللغوية. وزعمها أن ما قاله الإمام في علاقة
الإنسان بالخالق غير صحيح؛ لأن رنان أفرد فصلا لهذا البحث استعان فيه بكلمات
أرسطو اليونانية. وهل يقول عاقل: إن قول فلان غير صحيح لأن فلانا خالفه فيه
وما يدري صاحب الجامعة أن ما قاله الإمام هو الصحيح وما قاله رنان هو الخطأ
إن صح نقلها عن رنان هذا، وإن الإمام مطلع على ما كتب رنان وغيره من الإفرنج
وقد كتب ما كتب.
(الخاتمة) نشكر في ختام القول للجامعة ولصاحبها هذا التحامل على
الإسلام والمسلمين؛ لأنه كان السبب في تصدي ذلك الإمام العظيم إلى بيان هذه
الحقائق التي تحيي الشعور الإسلامي في نفوس المسلمين وتبعثهم إلى العمل بما
يرشد إليه دينهم القويم من الرغبة في العلم والحكمة، وإعلاء شأن الأمة، ومعاملة
المخالفين بالمحاسنة، وإن ظهروا بمظهر المخاشنة، وليس في كلام الإمام إلا برد