نجعله في باب رد شبهات المسيحيين وحجج المسلمين؛ لأن الجامعة التي كان
اسمها (الجامعة العثمانية) ثم صار اسمها (الجامعة) فقط قد صارت (الجامعة
النصرانية) ولا نعيب صاحبها بخدمة الدين الذي ينتسب إليه ولكننا ننصح له
بالتروي والاعتدال.
المنار مجلة ملية، كما أنها علمية أدبية، وهي -مع ذلك- لا تتعرض لدين
المخالفين إلا ردا على ما يعتدون به على الإسلام. والجامعة لا تعترف بأنها مجلة
ملية مسيحية وهي مع ذلك تطعن في الإسلام والمسلمين ابتداء. وتفتحر الكلام في
ذلك افتحارا، فهي في ظاهرها علمية أدبية صحية كالمقتطف والهلال وفي باطنها
دينية ملية كراية صهيون وبشائر الإسلام والمشرق ونحب لها أن يكون ظاهرها
كباطنها.
قلنا: إن صغار التلامذة لا يحفلون برد سفسطة الجامعة التي سمتها ردا فإن
القيد الذي خلفته لتصحيح زعمها إنكار المتكلمين للأسباب (وهو أنهم ينكرونها كما
يفهم الفلاسفة) لا يفيدها شيئا. فإن قولها الأول بالإنكار كان مطلقا وحكم المطلق
أن يجري على إطلاقه كما هو معلوم.
وقولها: إن ابن رشد كفر الأشعرية وقال بضلالهم لأمور نسبها إليهم منها
إنكار الأسباب الضرورية. واستدلالها بذلك على أن المتكلمين ينكرون الأسباب كما
يفهمها الفلاسفة هو حجة عليها؛ لأن ابن رشد يرد على الأشعرية بذلك ردا دينيا -
وهو من علماء الدين الراسخين - لأنه بنى عليه التكفير والتضليل، والفلاسفة لا
يسمون مخالفهم كافرا فكأن ابن رشد يقول: إن من أنكر الأسباب فهو عند المسلمين
كافر أو ضال؛ لأن من أصول الإسلام التي يشهد لها القرآن وتنطبق على سيرة
السلف والخلف المهديين أن الأسباب مربوطة بالمسببات وأن للكون سننا ونواميس
مطردة، قال الله تعالى فيها: {فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله
تحويلا} (فاطر: 43) .
وأما زعمه أن المعتزلة ليسوا من المتكلمين، فكل طالب علم يعرف تقوله
فيه على المسلمين، فالمتكلمون منهم المعتزلة ومنهم الأشاعرة ومنهم الماتريدية.
وكذلك الفقهاء منهم الحنفية والشافعية والمالكية. وكما اختلف هؤلاء في بعض
المسائل الفقهية وكلهم فقهاء اختلف أولئك في المسائل الكلامية وكلهم متكلمون.
والجميع مسلمون من أهل القبلة.
ومن أعجب المزاعم زعمه أن الاعتقاد بوجود النواميس (أي سنن الكون)
والاعتقاد بتغيرها نقيضان لا يجتمعان. وهو يعلم أن الفلاسفة أنفسهم يقولون بإمكان
تغير النواميس بل يقولون بأن التغير حدث ويحدث بالفعل، وهو ما يعبرون عنه
بفلتات الطبيعة. فإن احتاج الفلاسفة إلى تأويل هذه الفلتات فالمسلمون أحوج؛
لأن أساس هذه الفلسفة كلها قوله تعالى: ﴿ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (الأحزاب: 62) .
ومما يضحك صغار التلامذة استدلاله على معاداة الإسلام للعلم والعقل بكلمة
جارية على ألسنة العامة لا يعرف قائلها وهي: (من تمنطق تزندق) ويفهمون منها
أن من تعلم المنطق صار زنديقا. هذه الكلمة لعامي مجهول في شخصه وفي ملته
ودينه، والدليل على كونه عاميا أن معنى (تمنطق) لبس المنطقة وليس معناها أنه
تعلم المنطق خلافا لما يوهمه (المصباح) ، يستدل بهذه الكلمة صاحب الجامعة
الذي لا يراعي في قوله إلا (الحقيقة والضمير) على ما ذكره وينسى أو يتناسى أنه
لا يوجد طالب علم في المسلمين لم يقرأ المنطق وأن الأزهر لا يعطي شهادة العالمية
إلا لمن يؤدي الامتحان في علم المنطق ومثله جميع المدارس الإسلامية. ومن كلام
حجة الإسلام (من لا يعرف المنطق فلا ثقة بعلمه) .
لا يبعد أن يكون صاحب الجامعة قد كتب ما ذكرنا عنه وهو يعتقد أنه مموه.
ويقرب أن يكون مغترا بما أجاب به عن تخطئته في تلخيص فلسفة ابن رشد؛ لأن
سنده في هذا الجواب ثلاثة أمور:
أحدها: زعمه أن النساخ من العرب كانوا يحذفون من كتب ابن رشد
المواضع المهمة أو يبدلونها فرارا من الملام والاضطهاد. أي أن أولئك النساخ كانوا