نظام الخليقة ليصل منه إلى اكتشاف سر أو تقرير أصل في علم أو قاعدة لصناعة
وإن كان قد يخالف ظاهرا مما يعتقد، أو يميل إلى رأي غير الذي يجد، أفلا يسع
هذا ما يسع المجاهر بالخلاف، وهو معه على ما رأيت من الائتلاف؟ ؟
لو ذهبت أعد ما في طبيعة الإسلام من عناصر وأركان كلها تؤلف مزاج
الكرم، وتكون حقيقة المسامحة مع العلم؛ لأطلت على القارئ أكثر مما أطلت
ولهذا أرى من الواجب علي أن أختم القول بذكر أصل أشرت إليه ولا غنى لما نحن
فيه عن ذكره.
***
(الأصل السابع للإسلام الجمع بين مصالح الدنيا والآخرة) [12]
الصحة: الحياة في الإسلام مقدمة على الدين، أوامر الحنيفية السمحة إن
كانت تختطف العبد إلى ربه، وتملأ قلبه من رهبه، وتفعم أمله من رغبه، فهي
مع ذلك لا تأخذه عن كسبه، ولا تحرمه من التمتع به، ولا توجب عليه تقشف
الزهادة، ولا تجشمه في ترك اللذات ما فوق العادة.
صاحب هذا الدين صلى الله عليه وسلم لم يقل (بع ما تملك واتبعني) ولكن
قال لمن استشاره فيما يتصدق به من ماله: (الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك
أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) [13] .
الرخص: فرض الصوم على المؤمنين لكن إذا خشي منه المرض أو زيادته
أو زادت المشقة فيه جاز تركه بل قد يجب إذا غلب على الظن الضرر فيه،
الوضوء والغسل من شروط الصحة للصلاة إلا إذا خشي منه الضرر أو عرضت
مشقة في تحصيل الماء. القيام مما لا تصح الصلاة إلا به إلا إذا أصابت المصلي
مشقة فيه فيسقط ويصلي قاعدا. السعي إلى الجمعة واجب إلا إذا كان وحل غزير
أو مطر كثير أو ما يوجب تعبا ومشقة فيسقط.
وهكذا تجد القاعدة قد عمت: (صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان) فترى
الدين قد راعى في أحكامه سلامة البدن كما أوجب العناية بسلامة الروح.
الزينة والطيبات: أباح الإسلام لأهله التجمل بأنواع الزينة والتوسع في
التمتع بالمشهيات على شريطة القصد والاعتدال وحسن النية، والوقوف عند الحدود
الشرعية، والمحافظة على صفات الرجولية، جاء في الكتاب العزيز:
{يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب
المسرفين * قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي
للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون *
قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن
تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (الأعراف: 31-33) ثم عد الله النعيم والجمال والزينة من نعمه علينا التي يذكرنا
بها فضله، ويهيج بها نفوسنا لذكره وشكره، كما قال: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء
ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل
أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم *
والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} (النحل: 5-8)
ثم قال: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية
تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (النحل: 14) .
الاقتصاد: ووضع قانونا للإنفاق وحفظ المال في قوله: {إن المبذرين كانوا
إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} (الإسراء: 27) ، {ولا تجعل
يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} (الإسراء: 29) .
النهي عن الغلو في الدين: وخشي على المؤمن أن يغلو في طلب الآخرة
فيهلك دنياه وينسى نفسه منها فذكرنا بما قصه علينا أن الآخرة يمكن نيلها مع التمتع
بنعم الله علينا في الدنيا إذ قال: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس
نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا
يحب المفسدين} (القصص: 77) .