تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فترى أن الإسلام لم يبخس الحواس حقها كما أنه هيأ الروح لبلوغ كمالها،

فهو الذي جمع للإنسان أجزاء حقيقته واعتبره حيوانا ناطقا لا جسمانيا صرفا، ولا

ملكوتيا بحتا، جعله من أهل الدنيا كما هو من أهل الآخرة، استبقاه من أهل هذا

العالم الجسداني، كما دعاه إلى أن يطلب مقامه الروحاني، أليس يكون بذلك وبما

بينه في قوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ (البقرة: 29) قد

أطلق القيد عن قواه، لتصل من رقة الحياة (مع القصد) إلى منتهاه، والنفوس

مطبوعة على التنافس، قد غرز فيها حب التسابق فيما تعتقده خيرا، أو تجده لذيذا

أو تظنه نافعا.

وليس في الغريزة الإنسانية أن يقف بها الطلب عند حد محدود أو ينتهي بها

السعي إلى غاية لا مطلع للرغبة وراءها، بل خصها الله بالمكنة من الرقي في

أطوار الكمال من جميع وجوهه إلى ما شاء الله أن ترقى بدون حد معروف.

فإذا جمع سائق الأنفس ومزجيها ومرشدها وهاديها بين شاحذين: شاحذ التمتع

بمتاع الحياة الدنيا، وشاحذ الرغبة في النعيم الدائم في الآخرة، فقد جمع لها كل ما

يسمو بها عن الرضاء في الدنيا بالدون، وفي الآخرة بعذاب الهون، فترى كل نفس

تمضي مع استعدادها، بشهامة فؤادها، مضاء الزميع [14] لا تخشى العثرة بالوعيد،

ولا تقعد عن مطلبها قعدة الرعديد [15] فتطلب منافعها، من هذا الكون الذي

وجدت فيه ووجد فها، فتسير في مناكب الأرض، ولا تكتفي عن الكل بالبعض،

وتبحث في تربتها، ولا يقف بها ظاهرها عن باطنها؛ ولا يحجبها ظهرها عن

مديديها إلى ما في جوفها، ولا تجد ما يصدها عن النظر في الهواء، والبحث في

الماء، والاهتداء بنجوم السماء بعد معرفة مواقعها وحركتها في مداراتها واستقامتها

وانحرافها، وظهورها وخنوسها، وبالجملة فكل مستعد لوجه من وجوه النظر أو

الولوج في باب من أبواب العلم، ينطلق إلى حيث يبلغ به استعداده إما للنجاة من

ضرورة، وإما لاستتمام منفعة أو استكمال لذة لا يجد من نواهي الدين ما يصده عن

مطلب، ولا ما يكف يده عن تناول رغيبه، أين هذا من ذلك الذي لا يرى الخلاص

إلا في مجافاة هذا العالم ولذائذه ويجد أن الغنى والثروة من الحجب التي لا تخرق

تحول بينه وبين ملكوت السموات.

كيف يتسنى للمسلم أن يشكر الله حق شكره، إذا لم يضع العالم بأسره تحت

نظر فكره لينفذ من ظاهرة إلى سره ويقف على قوانينه وشرائعه ويستخدم كل ما

يصلح لخدمته في توفير منافعه، كيف يشكر الله إذا توانى في ذلك وقد أرشده الله

في كتابه وبسنة نبيه إلى أن عالمه إنما خلق لأجله، وقد وضعه الله تحت تصرف

عقله، انظر إلى لطف الإشارة في الآية المتقدمة ﴿قل من حرم زينة الله﴾ (الأعراف: 32) إلخ، حيث قال: ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ (الأعراف: 32) فأهل العلم هم الذين يعرفون مقدار نعم الله تعالى فيما يرفه به

معيشتهم، ويجمل به هيأتهم ويجلي به زينتهم.

المسلمون مسوقون بنابل من دينهم إلى طلب ما يكسبهم الرفعة والسؤدد والعزة

والمجد ولا يرضيهم من ذلك بما دون الغاية ولا يتوفر شيء من وسائل ذلك إلا

بالعلم، فهم محفوزون أشد الحفوز إلى طلب العلم وتلمسه في كل مكان، وتلقيه من

أية شفة وأي لسان، فإذا لاقاهم العالم في أي سبيل أو عثروا به في أي جيل، أو

ظهر لهم من أي قبيل، هشوا له وبشوا ونصبوا إليه وكمشوا [16] ، وشدوا به

أواصرهم، وعقدوا عليه خناصرهم، ولا يبالون ما تكون عقيدته، إذا نفعتهم

حكمته، (الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها) [17] ألم يأتهم عن

ربهم: {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر

إلا أولوا الألباب} (البقرة: 269) ألم يسمعوا في وصفهم قوله: {الذين

يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (الزمر: 18) ذلك شأن المسلم مع العلم إذا كان

مسلما حقا. وذلك ما تنجر إليه طبيعة دينه. وحديث (اطلبوا العلم ولو

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٢٥