تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل
من أناب إلي} (لقمان: 15) . فهو في اشتداده على المهددين لأمنه لا يقضي
بالفرقة بين أب وابن ولا بين أم وبنت، بل يأمر الأولاد المؤمنين أن يصحبوا
آباءهم المشركين بالمعروف في الدنيا مع محافظتهم على دينهم.
فأنت ترى الإسلام من جهة يكتفي من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها
بشيء من المال أقل مما كانوا يؤدونه بنظام السلطة العامة، ثم يرخي لهم بعد ذلك
عنان الاختيار في شئونهم الخاصة بهم لا رقيب عليهم فيها إلا ضمائرهم، ومن
جهة أخرى ينهي أفراد المؤمنين عن مقاطعة ذوي قربانهم من المشركين ويطالبهم
بحسن معاملتهم.
ففي طبيعته أن يكل أمر الناس في سرائرهم إلى ربهم، وفي طبيعته أن يجير
من لا يعتقد عقيدته، ويحمي من لا يتبع سنته، وإن كان في عمى من الجهالة وخبل
من الضلالة، أفترى أنه يصعب عليه بعد ذلك أن يحتمل العلم والعلماء، ويضيق به
حلمه عن صنع الجميل بالفضل والفضلاء، ممن ينفق عمره في تقرير حقيقة، أو
كشف غامض أو تبيين طريقة؟ كلا ثم كلا، فمن بحث ونقب، وسبر ونقر، أو
شق الأرض، أو ارتقى إلى السماء فهو في أمن من أن يعرض الإسلام له في شيء
من عمله إلا أن يحدث شغبا، أو يفسد أدبا، فعند ذلك تمتد يد الملك لرد كيد
الكائد، وإصلاح الفاسد، بسماح من الدين.
***
(الأصل السادس مودة المخالفين في العقيدة) [10]
المصاهرة: أباح الإسلام للمسلم أن يتزوج الكتابية نصرانية كانت أو يهودية
وجعل من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها،
والقيام بفروض عبادتها، والذهاب إلى كنيستها أو بيعتها، وهي منه بمنزلة البعض
من الكل، وألزم له من الظل، وصاحبته في العز والذل، والترحال والحل، بهجة
قلبه، وريحانة نفسه، وأميرة بيته، وأم بناته وبنيه، تتصرف فيهم كما تتصرف
فيه، لم يفرق الدين في حقوق الزوجية بين الزوجة المسلمة والزوجة الكتابية، ولم
تخرج الزوجة الكتابية باختلافها في العقيدة مع زوجها من حكم قوله تعالى:
{ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة
إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} (الروم: 21) فلها حظها من المودة، ونصيبها
من الرحمة، وهي كما هي، وهو يسكن إليها كما تسكن إليه، وهو لباس لها كما
أنها لباس له، وأين أنت من صلة المصاهرة التي تحدث بين أقارب الزوج وأقارب
الزوجة وما يكون بين الفريقين من الموالاة والمناصرة على ما عهد في طبيعة البشر،
وما أجلى ما يظهر من ذلك بين الأولاد وأخوالهم، وذوي القربى لوالدتهم، أيغيب
عنك ما يستحكم من ربط الألفة بين المسلم وغير المسلم بأمثال هذا التسامح الذي لم
يعهد عند من سبق ولا فيمن لحق من أهل الدينين السابقين عليه [11] .
ولا يخفى على صحيح النظر أن تقرير التسامح على هذا الوجه في نشأة الدين
مما يعود القلوب على الشعور بأن الدين معاملة بين العبد وربه، والعقيدة طور من
أطوار القلوب، يجب أن يكون أمرها بيد علام الغيوب، فهو الذي يحاسب عليها، أما
المخلوق فلا تطول يده إليها، وغاية ما يكون من العارف بالحق أن ينبه الغافل، ويعلم
الجاهل، وينصح للغاوي، ويرشد الضال، لا يكفر في ذلك نعمة العشير، ولا يسلك
مسالك التعسير، ولا يقطع أمل النصير ولا يخالف سنة الوفاء، ولا يحيد عن
شرائع الصدق في الولاء، ماذا ترى في الزوجة الكتابية لو كانت من أهل النظر
العقلي وذهبت مذهبا يخالف مذهب زوجها؟ أفينقص ذلك من مودته لها، أو يضعف
من شعور الرحمة التي أفاضها الله بينه وبينها، فإذا كان المسلم يتعود الاحتمال بل
يتعود المحبة والنصرة لمن يخالفه في عقيدته، ودينه وملته، ويألف مخالطته
وعشرته، وولايته ونصرته، أتراه لا يحتمل أن يرى بجواره من يعمل نظره في