تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأعمار، وبذلوا الدرهم والدينار في جمع كلام العرب وحفظه وتدوينه وتفسيره

توسلا بذلك إلى فهم كتابهم المنزل فكانوا يعدون ذلك ضربا من ضروب العبادة

ويرجون من الله فيه حسن المثوبة فكان من طبيعة الدين أن لا يحتقر العلم للدين

الذي ولد فيه، بل قد يكون من الدين علم ما ليس منه متى حسنت النية في تناوله،

وهذا باب من التسامح لا يقدر سعته إلا أهل العلم به، أما المسيحيون الأولون فقد

هجروا لسان المسيح عليه السلام سريانيا كان أو عبرانيا وكتبوا الأناجيل باللغة

اليونانية ولم يكتب في العبرية إلا إنجيل متى فيما يقال، ألا ترى أن اسم الإنجيل

نفسه يوناني؟ كل ذلك كراهة لليهود الذين كان ينطق المسيح بلسانهم ويعظهم

بلغتهم وتحرجا من النظر في دواوين آدابهم، وما توارثوا من عاداتهم.

***

(الأصل الرابع للإسلام قلب السلطة الدينية) [4]

أصل من أصول الإسلام أنتقل إليه وما أجله من أصل قلب السلطة الدينية

والإتيان عليها من أساسها، هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها حتى لم يبق لها

عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم، لم يدع الإسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطانا

على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول عليه السلام كان مبلغا

ومذكرا لا مهيمنا ومسيطرا قال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم

بمسيطر} (الغاشية: 21-22) ولم يجعل لأحد من أهله أن يحل ولا أن يربط لا

في الأرض ولا في السماء بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه فيما بينه

وبين الله سوى الله وحده، ويرفع عنه كل رق إلا العبودية لله وحده، وليس لمسلم

مهما علا كعبه في الإسلام على آخر مهم انحطت منزلته فيه إلا حق النصيحة

والإرشاد قال تعالى في وصف الناجين: ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ (والعصر: 3) وقال: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف

وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران: 104) وقال: {فلولا

نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم

يحذرون} (التوبة: 122) .

فالمسلمون يتناصحون ثم هم يقيمون أمة تدعوهم إلى الخير وهم المراقبون

عليها يردونها إلى السبيل السوي إذا انحرفت عنه، وتلك الأمة ليس لها فيهم إلا

الدعوة والتذكير، والإنذار والتحذير، ولا يجوز لها ولا لأحد من الناس أن يتبع

عورة أحد، ولا يسوغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسس على عقيدة أحد، وليس يجب

على مسلم أن يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول ما يعمل به عن أحد إلا عن كتاب الله

وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله وعن

رسوله من كلام رسوله بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنما يجب عليه قبل

ذلك أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها

وأحوال العرب خاصة في زمان البعثة وما كان الناس عليه زمن النبي صلى الله

عليه وسلم وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي وشيء من الناسخ والمنسوخ

من الآثار، فإن لم تسمح له حاله بالوصول إلى ما يعده لفهم الصواب من السنة

والكتاب فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما وله بل عليه أن يطالب المجيب

بالدليل على ما يجيب به سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد أو في حكم عمل من

الأعمال، فليس في الإسلام من يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه.

***

(السلطان في الإسلام)

لكن الإسلام دين وشرع فقد وضع حدودا ورسم حقوقا، وليس كل معتقد في

ظاهر أمره بحكم يجري عليه في عمله، فقد يغلب الهوى وتتحكم الشهوة فيغمط

الحق، أو يتعدى المتعدي الحد فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت

قوة لإقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضي بالحق وصون نظام الجماعة، وتلك القوة لا

يجوز أن تكون فوضى علي عدد كثير فلا بد أن تكون في واحد وهو السلطان أو

الخليفة.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٢٠