أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل
أخذ بما دل عليه النقل وبقي في النقل طريقان طريق التسليم بصحة المنقول مع
الاعتراف بالعجز عن فهمة وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية
تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل،
وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي صلى الله تعالى عليه
وآله وسلم مهدت بين يدي العقل كل سبيل، وأزيلت من سبيله جميع العقبات،
واتسع له المجال إلى غير حد، فماذا عساه يبلغ نظر الفيلسوف حتى يذهب إلى ما
هو أبعد من هذا؟ أي فضاء يسع أهل النظر وطلاب العلوم إن لم يسعهم هذا
الفضاء؟ إن لم يكن في هذا متسع لهم فلا وسعتهم أرض بجبالها ووهادها، ولا
سماء بأجرامها وأبعادها.
***
(أصل ثالث من أصول الأحكام في الإسلام البعد عن التكفير)
هلا ذهبت من هذين الأصلين إلى ما اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد
أحكام دينهم وهو: إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل
الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر، فهل رأيت
تسامحا مع أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من
الحمق بحيث يقول قولا لا يحتمل الإيمان من مائة وجه؟ إذا بلغ به الحمق هذا
المبلغ كان الأجدر به أن يذوق حكم محكمة التفتيش البابوية ويؤخذ بيديه ورجليه
فيلقى في النار.
***
(أصل رابع في الإسلام الاعتبار بسنن الله في الخلق)
يتبع ذلك الأصل الأول في الاعتقاد - وهو أن لا يعول بعد الأنبياء في الدعوة
إلى الحق على غير الدليل وأن لا ينظر إلى العجائب والغرائب وخوارق العادات -
أصل آخر وضع لتقويم ملكات الأنفس القائمة على طريق الإسلام وإصلاح أعمالها
في معاشها ومعادها، ذلك هو أصل العبرة بسنة الله فيمن مضى ومن حضر من
البشر وفي آثار سيرهم فيهم، فما جاء في الكتاب العزيز مقررا لهذا الأصل
﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ (آل عمران: 137) ، {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا
تحويلا} (الإسراء: 77) ، {فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنت
الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا} (فاطر: 43) ، {أو لم يسيروا في
الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} (الروم: 9) إلخ.
في هذا يصرح الكتاب بأن لله في الأمم والأكوان سننا لا تتبدل والسنن
الطرائق الثابتة التي تجري عليها الشئون وعلى حسبها تكون الآثار وهي التي
تسمى شرائع أو نواميس ويعبر عنها بالقوانين، ما لنا ولاختلاف العبارات والذي
ينادي به الكتاب أن نظام الجمعية البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغير
ولا يتبدل وعلى من يطلب السعادة في هذا الاجتماع أن ينظر في أصول هذا النظام
حتى يرد إليها أعماله ويبني عليها سيرته وما يأخذ به نفسه، فإن غفل عن ذلك غافل
فلا ينتظرن إلا الشقاء، وإن ارتفع إلى الصالحين نسبه، أو اتصل بالمقربين سببه
فمهما بحث الناظر وفكر وكشف وقرر، وأتى لنا بأحكام تلك السنن، فهو يجري
مع طبيعة الدين، وطبيعة الدين لا تتجافى عنه، ولا تنفر منه، فلم لا يعظم
تسامحها معه.
جاء الإسلام لمحو الوثنية عربية كانت أو يونانية أو رومانية أو غيرها في أي
لباس وجدت، وفي أي صورة ظهرت، وتحت أي اسم عرفت، ولكن كتابه عربي
والعربية لغة أولئك الوثنيين، أعدائه الأقربين، وفهم معناه موقوف على معرفة
أوضاع اللسان ولا تعرف أوضاعه حتى تعرف مواضع استعمال كلمه وأساليبه،
ولن يكون ذلك إلا بحفظ ما نطق به العرب من منظوم ومنثور وفيه من آدابهم
وعاداتهم واعتقاداتهم ما يعيد عند الناظر في كلامهم صورة كاملة من جاهليتهم وما
فيها من الوثنية وأطوارها، وهكذا صنع المسلمون الأولون ركبوا الأسفار، وأنفقوا