الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي، ولا من حقه
الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة، نعم شرط فيه أن يكون مجتهدا أي أن يكون من
العلم باللغة العربية وما معها مما تقدم ذكره بحيث يتيسر له أن يفهم من الكتاب
والسنة ما يحتاج إليه من الأحكام حتى يتمكن بنفسه من التمييز بين الحق والباطل
والصحيح والفاسد، ويسهل عليه إقامة العدل الذي يطالبه به الدين والأمة معا.
هو على هذا، لا يخصه الدين في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية، ولا
يرتفع به إلى منزلة، بل هو وسائر طلاب الفهم سواء، إنما يتفاضلون بصفاء
العقل، وكثرة الإصابة في الحكم [5] ثم هو مطاع ما دام على المحجة ونهج الكتاب
والسنة، والمسلمون له بالمرصاد، فإذا انحرف عن النهج أقاموا عليه، وإذا اعوج
قوموه بالنصيحة والإعذار إليه [6] (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) [7] فإذا
فارق الكتاب والسنة في عمله، وجب عليهم أن يستبدلوا به غيره، ما لم يكن في
استبداله مفسدة تفوق المصلحة فيه [8] فالأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصبه، والأمة
هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها
فهو حاكم مدني من جميع الوجوه.
ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج
(تيوكراتيك) أي سلطان إلهي، فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن
الله وله حق الأثرة بالتشريع، وله في رقاب الناس حق الطاعة لا بالبيعة وما
تقتضيه من العدل وحماية الحوزة بل بمقتضى الإيمان فليس للمؤمن ما دام مؤمنا أن
يخالفه وإن اعتقد أنه عدو لدين الله، وشهدت عيناه من أعماله ما لا ينطبق على ما
يعرفه من شرائعه؛ لأن عمل صاحب السلطان الديني وقوله في أي مظهر
ظهر هو دين وشرع، وهكذا كانت سلطة الكنيسة في القرون الوسطى، ولا تزال
الكنيسة تدعي الحق في هذه السلطة إلى اليوم كما سبقت الإشارة إليه.
كان من أعمال التمدن الحديث الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية
فترك للكنيسة حق السيطرة على الاعتقاد والأعمال فيما هو من معاملة العبد لربه،
تشرع وتنسخ ما تشاء وتراقب وتحاسب كما تشاء وتحرم وتعطي كما تريد وخول
السلطة المدنية حق التشريع في معاملات الناس بعضهم لبعض وحق السيطرة على
ما يحفظ نظام اجتماعهم، في معاشهم لا في معادهم، وعدوا هذا الفصل منبعا للخير
الأعم عندهم، ثم هم يهمون فيما يرمون به الإسلام من أنه يحتم قرن السلطتين في
شخص واحد ويظنون أن معنى ذلك في رأي المسلم أن السلطان هو مقرر الدين
وهو واضع أحكامه وهو منفذها، والإيمان آلة في يده يتصرف بها في القلوب
بالإخضاع، وفي العقول بالإقناع، وما العقل والوجدان عنده إلا متاع، ويبنون
على ذلك أن المسلم مستعبدا لسلطانه بدينه، وقد عهدوا أن سلطان الدين عندهم كان
يحارب العلم، ويحمي حقيقة الجهل، فلا يتيسر للدين الإسلامي أن يأخذ بالتسامح
مع العلم ما دام من أصوله أن إقامة السلطان واجبة بمقتضى الدين، وقد تبين لك أن
هذا كله خطأ محض وبعد عن فهم معنى ذلك الأصل من أصول الإسلام، وعلمت
أن ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير،
والتنفير عن الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم،
كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم، ومن هنا تعلم (الجامعة) أن مسألة
السلطان في دين الإسلام ليست مما يضيق به صدره، وتحرج به نفسه عن احتمال
العلم، وقد تقدم ما يشير إلى ما صنع الخلفاء العباسيون والأمويون والأندلسيون من
صنائع المعروف مع العلم والعلماء، وربما أتينا على شيء آخر منه فيما بعد
يقولون: إن لم يكن للخليفة ذلك السلطان الديني أفلا يكون للقاضي أو المفتي أو شيخ
الإسلام، وأقول: إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير