تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لتحصيل الاعتقاد بالله لينتقل منه إلى تحصيل الإيمان بالرسل وما أنزل

عليهم من الكتاب والحكمة.

وأما الدعوة الثانية فهي التي يحتج بها الإسلام بخارق العادة، وما أدراك ما

هو الخارق للعادة الذي يعتمد عليه الإسلام في دعوته إلى التصديق برسالة النبي

عليه السلام؟ هذا الخارق للعادة هو الذي تواتر خبره، ولم ينقطع أثره، هذا هو

الدليل وحده وما عداه مما ورد في الأخبار سواء صح سندها أو اشتهر أو ضعف أو

وهي فليس مما يوجب القطع عند المسلمين. فإذا أورد في مقام الاستدلال فهو على

سبيل تقوية العقد لمن حصل أصله، وفضل من التأكيد لمن سلمه من أهله، ذلك

الخارق المتواتر المعول عليه في الاستدلال لتحصيل اليقين هو القرآن وحده.

والدليل على أنه معجزة خارقة للعادة تدل على أن موحيه هو الله وحده وليس من

اختراع البشر هو أنه جاء على لسان أمي لم يتعلم الكتاب ولم يمارس العلوم وقد

نزل على وتيرة واحدة، هاديا للضال مقوما للمعوج كافلا بنظام عام لحياة من يهتدي

به من الأمم، منقذا لهم من خسران كانوا فيه وهلاك كانوا أشرفوا عليه. وهو مع

ذلك من بلاغة الأسلوب على ما لم يرتق إليه كلام سواه حتى لقد دعي

الفصحاء والبلغاء أن يعارضوه بشيء من مثله فعجوزا ولجأوا إلى المجالدة

بالسيوف وسفك الدماء واضطهاد المؤمنين به إلى أن ألجأوهم إلى الدفاع عن حقهم

وكان من أمرهم ما كان من انتصار الحق على الباطل وظهور شمس الإسلام تمد

عالمها بأضوائها، وتنشر أنوارها في جوائها.

وهذا الخارق قد دعا الناس إلى النظر فيه بعقولهم وطولبوا بأن يأتوا في

نظرهم على آخر ما تنتهي إليه قوتهم فإما وجدوا طريقا لإبطال إعجازه أو كونه لا

يصلح دليلا على المدعى فعليهم أن يأتوا به قال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما

نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} (البقرة: 23) وقال: {أفلا يتدبرون

القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء: 82) وقال

غير ذلك مما هو مطالبة بمقاومة الحجة بالحجة ولم يطالبهم بمجرد التسليم على رغم

من العقل.

معجزة القرآن جامع من القول والعلم، وكل منهما مما يتناوله العقل بالفهم،

فهي معجزة عرضت على العقل وعرفته القاضي فيها وأطلقت له حق النظر في

أحنائها، ونشر ما انطوى في أثنائها، وله منها حظه الذي لا ينتقض، فهي معجزة

أعجزت كل طوق أن يأتي بمثلها، ولكنها دعت كل قدرة أن تتناول ما تشاء منها،

أما معجزة موت حي بلا سبب معروف للموت أو حياة ميت أو إخراج شيطان من

جسم أو شفاء علة من بدن فهي مما ينقطع عنه العقل، ويجمد لديه الفهم، وإنما

يأتي بها الله على يد رسله لإسكات أقوام غلبهم الوهم، ولم تضئ عقولهم بنور العلم،

وهكذا يقيم الله بقدرته من الآيات للأمم على حسب الاستعدادات [3] .

ثم إن الإسلام لم يتخذ من خوارق العادات دليلا على الحق لغير الأنبياء عليهم

الصلاة والسلام ولم ترد فيه كلمة واحدة تشير إلى أن الداعين إليه يمكنهم أن يغيروا

شيئا من سنة الله في الخليقة ولا حاجة إلى بيان ذلك فهو أشهر من أن يحتاج إلى

تعريف.

***

(الأصل الأول للإسلام النظر العقلي لتحصيل الإيمان)

فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنظر عنده هو وسيلة

الإيمان الصحيح فقد أقامك معه على سبيل الحجة وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك

إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه.

بلغ هذا الأصل بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة: إن الذي يستقصي

جهده في الوصول إلى الحق ثم لم يصل إليه ومات طالبا غير واقف عند الظن فهو

ناج، فأي سعة لا ينظر إليها الحرج أكمل من هذه السعة.

***

(الأصل الثاني للإسلام تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض)

أسرع إليك بذكر أصل يتبع هذا الأصل المتقدم قبل أن أنتقل إلى غيره: اتفق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢١٨