تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو الوجود المطلق، وظن الواهم أن الأرواح تعود بعد مفارقة الأجسام إلى

مشرقها العام، وتفقد امتيازها فيه، وذلك كله وإن ذهب إليه بعض النظار من

الأوربيين غير ما يقول ابن رشد، أما ما يقول ابن رشد فهو كما ترى.

قال ابن رشد وكل من تابعه على رأيه ولم يخالفوا في ذلك أرسطو: إن

الممكن لا وجود له في ذاته وإنما يستفيد الوجود من غيره، وقد كانوا قالوا: إن جميع

ما في الكون ما عدا واجب الوجود المبرأ من المادة وغواشيها فهو ممكن فكل ما في

العالم فهو مستفيد الوجود من غيره، فذلك الغير إن كان ممكنا فكي يعطى الوجود وهو

لا وجود له إلا من غيره، فإذا استمد منه مستمد فإنما يستمد من فضل ذلك الوجود

الذي جاءه من موجده إلى أن ينتهي إلى الوجود الأول فكل وجود سطع على

الممكنات فهو فائض من وجود الواجب فلا وجود إلا من وجوده أو كل وجود فهو

شعاع لضياء وجوده، فإذا حرر المعنى من هذا على وجه أمكن عند العقل وجدته

يرجع إلى ما قاله السيد الشريف من أئمة أهل السنة وغيره وهو أن الممكن ليس

بشيء في ذاته ثم يكون شيئا بالإيجاد، والإيجاد لو حققته أمر اعتباري انتزاعي له

منشأ في الواقع، وذلك المنشأ هو ذات الموجد وماهية الموجود الممكن التي صارت

شيئا بتلك العلاقة الاعتبارية بينها وبين موجدها، وهي ما يسمونها تعلق القدرة

بالمقدور، وماهية الممكن ليست بوجود ولا الوجود أمر موجود قائم بها، فإذا ليس

من موجود نفس الأمر إلا وجود الواجب فكان الوجود الحقيقي واحدا وسائر ما

يسمى وجودا فإنما ينال ذلك بالإضافة إلى الوجود الحقيقي وأولى بالتسمية أن تكون

مجازية من أن تكون حقيقة.

مع ذلك لا يزال صاحب هذا القول يعتقد بتجرد الواجب عن المادة والمدة إلا

أن من تلقفه منه توسع فيه حتى كان من ذيوله رأي القائلين بأن الموجد الأول روح

سار في العالم وإليه يرجع كل أشخاصه لفناء شخصيتهم فيه وما هو برأي ابن رشد

ولا يعرفه.

على أن الصوفية وهم المصرحون بوحدة الوجود المعبرون بالشهود أولا

والفناء آخرا، الناطقون في ذلك بما لم ينطق به أحد سواهم لم يقولوا بزوال هويات

النفوس زوالا حقيقيا بل قالوا: إنها خالدة بعد مفارقة الأبدان ولكنها تسعد في

خلودها باستغراقها في شهودها، وذهولها عن كل ما يشغلها عن مصدر وجودها،

فهي غنية بعرفانه عن معرفتها بنفسها وهو ما يعبر عنه بالفناء ولذته، والمحو

وبهجته، وهو معنى تقصر دون إيضاحه العبارات، وإن كفى في تعريفه لأهله

أخفى الإشارات.

ولعل الجامعة لا تعتب على الكاتب فيما كتب أو فيما أجاب به من طلب فقد

وفى حقا لها لو أغفله مع علمها بالقدرة عليه، لحق لها أن توجه العتب إليه.

هذا ما أردنا إيجاز القول فيه متعلقا بفلسفة المتكلمين ورأي الفليسوف وسنتبعه بمقال آخر فيما حكمت به الجامعة من الكلام على الاضطهاد في النصرانية والإسلام،

إن شاء الله تعالى.

-----------------

<span class="footnote">

(1) ذكرت الجامعة الغراء أن منبع هذا الروح النظامي في مجلة المنار واستشهدت لذلك بالتفسير الذي نقتبسه من دروس الأستاذ الإمام كبير رجال النهضة الإسلامية الحاضرة.

(2) المنار يشير إلى ما جاء في إنجيل لوقا من الباب 11 (23 لأني) الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ولا يشك في قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له، 24 لذلك أقول لكم كلما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوا فيكون لكم.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

تتمة الاجتماع الخامس لجمعية أم القرى

قال (المحدث اليمني) إننا معشر أهل اليمن ومن يلينا من أهل الجزيرة كما

إننا لم نزل بعيدين عن الصنائع والفنون كذلك لم نزل على مذهب السلف في الدين

بعيدين عن التفنن فيه، ومسلكنا مسلك أهل الحديث، وأكثرنا يخرج الأحكام

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٨٣