متى شاءت بملكة متمكنة وهي المسماة بالعقل بالفعل.
ثم إن الفيلسوف وأتباع مذهب أرسطو ذكروا آراء بعض الفلاسفة ممن لا يعتد
بقولهم وفيها ما يشبه ما نسبته الجامعة لابن رشد منها أن الجوهر العاقل إذا عقل
صورة عقلية صار هو إياها، واستدلوا على استحالة هذا القول بأنه يلزم عليه أن
تصير النفس جميع المنقولات التي تحصل لها وتصير المعقولات كلها معقولا واحدا
بل يلزم عليه انعدام النفس ووجوه ما عقلته أو استحالة النفس إليه وهو محال
وخلاف الفرض ونقلوا عن فرقوريوس أنه قال: إن النفس الناطقة إذا عقلت شيئا
فإنما تعقل ذلك الشيء باتصالها بالعقل الفعال وهو حق في رأيهم ولكنه قال: إن
معنى اتصالها بالعقل الفعال أن تصير هي نفس العقل الفعال؛ لأنها تصير العقل
المستفاد والعقل الفعال يتصل نفسه بالنفس فيكون العقل المستفاد، وقد أبطلوا هذا
القول بأنه يستلزم أن يكون العقل الفعال متجزئا قد يتصل منه شيء دون شيء وهو
مجرد لا يتجزأ أو تتصل به النفس اتصالا واحدا تكون به النفس كاملة واصلة إلى
كل معقول وهو ليس بحاصل في جميع الأحوال وقالوا: إن دعوى اتحاد شيء
بشيء آخر على معنى استحالة الأول إلى الثاني قضية شعرية غير معقولة فلا يصح
النظر فيها، أما استحالة النفس إلى العقل الفعال فلم يقل به أحد.
فقد عرفت من هذا أن اتصال النفس بالعقل الفعال ليس معناه الفناء فيه أو
الاندغام كما عرفته الجامعة بلا معناه أن ترتفع النفس بقواها عن ظلمة الطبيعة بما
يكون لها من الاستعداد وتنجذب نحو العالم الأعلى فتشرق فيها المعلومات بمحاذاتها
لمطلع ذلك النور الأجلى، فهل مع هذا يصح أن ينسب إلى الفيلسوف ما عده غير
معقول؟
قال الفيلسوف وشيعته: إن النفس الناطقة التي هي موضوع ما للصورة
المحددة غير منطبعة في جسم تقوم به بل هي جوهر عاقل ذو آلة بالجسم فإذا
استحال الجسم عن أن يكون آلة لها وحافظا للعلاقة معها بالموت لم يضر ذلك
جوهرها بل تكون باقية بما هي مستفيدة الوجود من الجواهر العقلية، فالنفس بعد
مفارقتها للبدن باقية على استقلالها لا تعدم شخصيتها بالفناء في شيء سواها لا عقل
فعال ولا وجود واجب وهي تسعد بكمالها العلمي والأدبي الذي حصلته مدة تعلقها
بالبدن، وجوز الفيلسوف أن تتعلق بعد فراقها للبدن بجسم آخر من عالم آخر تتخيل
فيه ما هو لذة لها، وتشقى بجهلها ورداءة ملكاتها، فالنفس عند الفيلسوف باقية
خالدة خلودها خلود لشخصها المتميز من كل شيء سواها سواء كان عقلا فعالا أو
غيره.
فهل بعد هذا يعد الفيلسوف ماديا ومذهبه مذهبا ماديا قاعدته العلم؟ لا بل هو
إلهي ومذهبه مذهب إلهي قاعدته العلم قائل بخلود النفس وسعادتها وشقائها وعذابها
ونعيمها كما رأيت.
بقي علينا أن نشير إلى ما نقله فلاسفة أوربا عن الفيلسوف الجليل ابن رشد
في مبدإ العالم ومصدر وجوده، قالوا: لم يكن يعرف العلم والفلسفة عند الأوربيين
إلا في مدارس المسلمين في أسبانيا، فكان يقصد تلك المدارس طلاب العلم من كل
ناحية، كان يجلس في درس الفيلسوف عدد عظيم لم تأت نهاية القرن الثاني عشر
(الميلادي) إلا وقد انتشر بين المشتغلين بشيء من العلم رأي زعزع طمأنينة
الكنيسة وأفزع القابضين على مفاتيح القلوب بذلك الوقت الواقفين على أبوابها
يأذنون لمن شاءوا من العقائد والأفكار أن يدخل فيها ويطردون عنها ما شاءوا ذلك
الرأي الذي أخذ يتسرب إلى القلوب رغم حجابها هو أن الكون أجمع يرجع في
وجوده إلى واحد هو حياة الكل وهو روح يقوم به كل جزء منه.
وقالوا: إن الذي نشر هذا المذهب بين الناس هم تلامذة ابن رشد ففهم بعض
علمائهم من ذلك أن ابن رشد كان يقول: إن مبدإ العالم هو أصل عرضت له صور
العالم أو روح ظهر في مظاهر الكائنات كما يقول الصوفية أو نحو ذلك، واستتبع هذا
رأيا آخر وهو أن كل صورة من صور الموجودات إذا بطلت فإنما تعود إلى أصلها