تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أصول اجتهاد الإمام زيد بن علي بن زين العابدين أو أصول الإمام أحمد بن

حنبل وإني أذكر للإخوان حالتنا الاستهدائية عسى أن الذكرى تنفع المؤمنين، وعسى

أن يعلم المسلمون ولا سيما الأتراك ومن يحكمون أننا من أهل السنة لا كما يوهمون أو

يتوهمون فأقول: إن المسلمين عندنا على ثلاث مراتب: العلماء والقراء والعامة.

فالطبقة الأولى (العلماء) وهم كل من كان متصفا بخمس صفات:

1 أن يكون عارفا باللغة العربية المضرية القرشية بالتعلم والمزاولة معرفة

كافية لفهم الخطاب لا معرفة إحاطة بالمفردات ومجازاتها وبقواعد الصرف

وشواذه والنحو وتفصيلاته والبيان وخلافاته والبديع وتكلفاته مما لا يتيسر

إتقانه إلا لمن يفني ثلثي عمره فيه مع أنه لا طائل تحته ولا لزوم لأكثره إلا

لمن أراد الأدب.

2- أن يكون قارئا لكتاب الله تعالى قراءة فهم للمتبادر من معاني

مفرداته وتراكيبه مع الاطلاع على أسباب النزول ومواقع الكلام من كتبها

المدونة المأخوذة من السنة والآثار وتفاسير الرسول عليه السلام، أو

تفاسير أصحابه عليهم الرضوان، ومن المعلوم أن آيات الأحكام لا تجاوز

المائة والخمسين آية عدا [1] .

3 - أن يكون متضلعا في السنة النبوية المدونة على عهد التابعين

وتابعيهم أو تابعي تابعيهم فقط بدون قيد بمائة ألف أو مائتي ألف حديث بل

يكفيه ما كفى مالكا في موطئه وأحمد في مسنده، ومن المعلوم أن أحاديث

الأحكام لا تجاوز الألف وخمسمائة حديث أبدا [2] .

4 - أن يكون واسع الاطلاع على سيرة النبي وأصحابه وأحوالهم من

كتب السيرة القديمة والتواريخ المعتبرة لأهل الحديث كالحافظ الذهبي وابن

كثير ومن قبلهم كابن جرير وابن قتيبة ومن قبلهم كمالك والزهري

وأضرابهم.

5 - أن يكون صاحب عقل سليم فطري لم يفسد ذهنه بالمنطق والجدل

التعليميين [3] والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورسية وبأبحاث الكلام

وعقائد الحكماء ونزعات المعتزلة وإغرابات الصوفية وتشديدات الخوارج

وتخريجات الفقهاء المتأخرين وحشويات الموسومين وتزويقات المرائين

وتحريفات المدلسين (مرحى)

فأهل هذه الطبقة يستلهمون بأنفسهم ولا يقلدون إلا بعد الوقوف على دليل

من يقلدون فإذا وجدوا في المسألة قرآنا ناطقا لا يتحولون عنه لغيره مطلقا وإذا

كان القرآن محتملا لوجوه فالسنة قاضية فيه مفسرة له، ثم ما لم يجدوه في

كتاب الله أخذوه من صحيح سنة رسول الله سواء كان الحديث مستفيضا أم غير

مستفيض عمل به أكثر من واحد من الصحابة المجتهدين أم لم يعمل به إلا واحد فقط

ومتى كان في المسألة حديث صحيح لا يعدلون عنه إلى اجتهاد، ثم إذا لم

يجدوا في المسألة حديثا يأخذون بإجماع علماء الصحابة، ثم بقول جماعة من

الصحابة والتابعين ولا يتقيدون بقوم دون قوم، فإن وجدوا مسألة يستوي فيها

قولان رجحوا أحدهما بمرجح يقوم في الفكر لا يتبعون فيه أصولا موضوعة

غير مشروعة أو طرقا مقررة غير مرفوعة وأهل هذه الطبقة عندنا ينورون

أذهانهم بأصول استدلالات الإمام زيد رضي الله عنه أو غيره من الأئمة في

تخريج الأحكام واستنباطها من النصوص بدون تقيد بتقليد أحدهم خاصة دون

غيره؛ لأنهم لا يجوزون اتباع إمام إذا رأوا ما ذهب إليه في المسألة بعيدا عن

الصواب فلا يقلدون أحدا تقليدا مطلقا كأنه نبي مرسل.

والطبقة الثانية هم (القراء) وهم الذين يقرأون كتاب الله تعالى قراءة

فهم بالإجمال مع اطلاع على جملة صالحة من سنة رسول الله صلى الله عليه

وسلم فهؤلاء يستهدون في أصول الدين بأنفسهم؛ لأنها مبنية غالبا على قرآن

ناطق أو سنة صريحة أو إجماع عام مفسر لغير الناطق والصريح.

وأما في الفروع فيتبعون أحد العلماء الموثوق بهم عند المستهدي من

الأقدمين أو المعاصرين بدون ارتباط بمجتهد مخصوص أو عالم دون آخر مع

سماع الدليل والميل إلى قبوله كما كان عليه جمهور المسلمين قبل وجود

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٨٤