تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الترجمة عبارة عن مذهب مادي قاعدته العلم) أما ما بين العنوان وهذه العبارة فهو

مما لا يمكن أن يتحصل له معنى مفهوم في مذهب الفيلسوف، وإني ذاكر لك رأيه في

اتصال الإنسان بالله أي قربه منه وسعادته به وفي طريقة تكميله لنفسه حتى يسعد

لذلك القرب، وبذلك تعرف أن ما جاء في الجامعة ليس بالذي تصح نسبته إليه

خصوصا بعد قولها: إنه أخذ مذهبه في ذلك عن أرسطو من الفصل الثالث في

كتابه (النفس) وما قاله أرسطو في ذلك الكتاب معروف مشهور.

أثبت أرسطو وتبعه ابن رشد وجل فلاسفة الإسلام أن نفس الإنسان التي هو

بها إنسان وهي ما يلقبونها بالنفس الناطقة - جوهر مجرد عن المادة لا هو جسم ولا

حال في جسم، وإنما له علاقة بالجسم يدبره ويصرفه وشبهوا هذه العلاقة بعلاقة

الملك بالمدينة وهو خارج عنها ولهذه النفس آلة في الجسم بها يكون التدبير.

وقالوا: إن انطباع المحسوسات والمعاني الجزئية في الحواس الظاهرة

والباطنة على ما فصلوه يعد النفس لقبول الكليات ويهيؤها لتلتقي المعقولات عن

مفيضها عليها وهو العقل الفعال الذي سبق لنا ذكره.

وجعلوا مراتب النفس في استحصالها كمالها العلمي وبلوغها ذروته أربعا

(الأولى) العقل الهيولاني، وهو قوة استعداد النفس نحو المعقولات وتسميته عقلا

تسمية مجازية و (الثانية) العقل بالملكة وهي القوة التي تحصل للنفس عند

حصول المعقولات الأولى مثل الجزء والكل ومثل الحكم بأن الأول أصغر من

الثاني ومثل النفي والإثبات والحكم بأنهما لا يجتمعان في محمول واحد لموضوع

واحد، وكذلك كل ما خلص من محسوس وهو لا يحتاج في تخليصه إلى فكر

والنفس تتهيأ بهذه القوة لاكتساب المعقولات الثانية إما بالفكر وإما بالحدس، وليس

الحدس هو الظن كما هو في المشهور بل هو سرعة انتقال النفس من المبادئ إلى

المطالب أو انتقال النفس من المعلومين إلى الوسط الذي يصل بينهما ومن ذلك إلى

معلوم ثالث بلا تجسم نظر، ولذلك جعل مقابلا للفكر الذي هو النظر بعينه؟

و (الثالثة) قوة تسمى العقل المستفاد وهي أن تحصل المعقولات الثانية بالعقل

متمثلة كالأولى مشاهدة في الذهن، والرابعة قوة تسمى (العقل بالفعل) وهي ما به

تتمكن النفس من استحضار المعقول المكتسب المفروغ منه متى شاءت من غير

افتقار إلى اكتساب.

قالوا: والذي يرقى بالنفس في هذه المراقي هو العقل الفعال، وهو ذلك العقل

العاشر المصرف للمادة العنصرية لا عقل الإنسانية العام كما تقول الجامعة، فإن

أرسطو وابن رشد لا يقولان بعقل يسمى عقل الإنسانية العام بل كان ذلك من مزاعم

أفلاطون التي عني أرسطو بإبطالها وتبعه ابن رشد وغيره في نفيها، فالعقل الفعال

هو الذي يخرج النفس من العقل الهيولاني إلى العقل بالملكة ومن العقل بالملكة إلى

العقل المستفاد ومعه إلى العقل بالفعل.

ولما كان العقل الفعال جوهرا عقليا بالفعل كانت المعقولات بأسرها حاصلة له

بالفعل، أما نفوسنا فهي عقول بالقوة ولكنها إذا استعدت استعدادا خاصا للاتصال

بذلك العقل أي بالإقبال عليه وتوجيه وجهتها نحوه ارتسم منه فيها الصور العقلية

الخاصة بذلك الاستعداد الخاص لأحكام خاصة وإدراك المعاني الجزئية بواسطة

الحواس وحركة النفس في المعقولات الأولى والبحث والتجربة والدرس وما ينحو

هذا النحو كل ذلك من محصلات الاستعداد لقبول المعقولات في الموضوعات التي

كان الاستعداد فيها. فإذا أعرضت النفس عن العقل الفعال والتفتت إلى جانب الحس

أو إلى صورة أخرى غير التي حصلت لها بذلك الاستعداد انمحى المتمثل الذي كان

أولا كأن المرآة التي كان يحاذي بها جانب القدس قد أعرض بها عنه إلى جانب

الحس، أو إلى شيء آخر من الأمور القدسية.

قالوا: وهذا الاتصال الذي يفيض به العقل الفعال على النفس ما استعدت له

من المعقولات له علة، وعلته قوة تامة الاستعداد لها أن تقبل بالنفس جهة الإشراق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٨١