تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما يفارق المجرد والمادة، وقد شرطوا في هذا التشبيه أن المدبر خارج عن المدبر

مفارق له منزه عن مخالطته.

أما العقل الأول فليس كما تقول الجامعة، فإن العقل الأول جوهر مجرد عن

المادة وهو أول صادر عن الواجب، وقد صدر عنه الفلك التاسع المسمى عندهم بالفلك

الأطلس ونفس لذلك الفلك تدبر حركاته الجزئية وعقل آخر هو العقل الثاني، وعن

هذا الثاني صدر الفلك الثامن المسمى عندهم فلك الثوابت ونفسه والعقل الثالث

وهكذا إلى أن صدر عن العقل التاسع فلك القمر ونفسه والعقل العاشر وهو المسمى

عندهم بالعقل الفعال أو العقل الفياض، وعن هذا العقل صدرت المادة العنصرية وإليه

يرجع ما يحدث في عالمها، ولا يكون العقل الأول ولا غيره من العقول في قلب تلك

الدوائر عند أحد من هؤلاء الفلاسفة الإلهيين بل هو مفارق لها كما أن نفوسها

جواهر مفارقة أيضا، ولها تعلق بأجسادها كتعلق أنفسنا بأبداننا على ما سيأتي بيانه.

والذي حمل الإلهيين على ذلك مبالغتهم في تنزيه الواجب وقولهم: إنه واحد

من جميع الوجوه وزعمهم أن الواحد من كل وجه لا يصدر عنه إلا الواحد فيلزم أن

لا يصدر عن الواجب إلا واحد وهو العاقل الأول. ولما تعددت وجوه العاقل في

ذاته والنسبة بينه وبين مصدره العاقلة لذاته وعقله لموجده صح أن يصدر عنه

متعدد، ولهم في الاستدلال على حياة الأفلاك مقدمات لا حاجة إلى ذكرها؛ لأن

الكلام في تصوير مذهبهم لا في تقريره أو إبطاله.

فالعقول عند الفليسوف ليست مخالطة للمادة ولا يغشاها شيء من ظلماتها

وليس العقل الأول بمدبر الكون وإنما هو مصدر الفلك الأطلس ومفيض نفسه عليه

وخزانة معقولاته، وهكذا الأمر في كل عقل مع الفلك الذي صدر عنه وتدبير العالم

العنصري وهو ما دون فلك القمر راجع إلى العقل العاشر وهو العقل الفعال.

قال الفلاسفة الإلهيون: ولا يجوز أن تكون لأفعال الله غايات وأغراض

تبعثه على إصدارها وأن ما يصدر عنه إنما يفيض بمحض الجود المطلق عن غني

مطلق، وقد صرح ابن رشد في تهذيبه لإلهيات أرسطو بذلك وهذا مبالغة منهم في

نسبة الكمال إلى الله على أن ما يصدر عنه إنما يصدر عن علم فالذي ينفى عنه إنما

هو الاختيار بمعنى التردد بين الغايات ثم ترجيح إحداهما أما الاختيار بمعنى أن

الفعل صدر عن علم العالم بدون إكراه عليه فذلك لا ينفيه أحد منهم، والمليون من

متكلمين ولاهوتيين وإن لم يصرحوا بذلك قالوا بما يئول إليه والتزموه فقد ذهب

جمهورهم والمعول على رأيه عند قومه منهم أن علم الله محيط بالكليات والجزئيات

أزلا وأبدا وقد تعلقت إرادته بتخصيص كل كائن بما هو عليه على حسب علمه

وعلمه لازم لذاته أزلي بأزلية ذاته وكل ما يكون في الكون لا بد أن يقع على وفاق

مع علمه الأزلي جل شأنه فلا تردد عنده بين الغايات بل ما يصدر عنه اليوم كان لا

بد أن يصدر عنه، والأسباب والمسببات وارتباط بعضها ببعض مما انتظم في علمه

فهي تصدر عنه على حسب ترتيبها في العلم، وسواء كان القول غامضا أو غير

غامض وسواء توجه عليه من النقد ما يصعب الجواب عنه إذا روعيت بقية

الأصول أو لم يتوجه، كل ذلك لا يدفع عنهم أنهم قالوا بنفي الاختيار بالمعنى

المعروف عند الناس، وإن ثبت الاختيار بالمعنى الذي يليق بكمال الله تعالى،

فالفلاسفة وجمهور المتكلمين واللاهوتيين على وفاق في حقيقة المسألة وإن اختلفت

العبارات فابن رشد رحمه الله لم يخرج في آرائه عن المليين فلا يصح أن يكون

مذهبه مذهب الماديين ولا قريبا منه.

* * *

طريق الاتصال

يتوهم الناظر في هذا العنوان في الجامعة مع مراعاة الفصل الذي تقدمه فيها

أنه عنوان لرأي ابن رشد في طريق اتصال الكون بالخالق فإذا استمر في قراءة ما

بعد العنوان إلى آخر الفصل علم أن المراد طريق اتصال الإنسان وحده بخالقه

وعثر في آخر البحث على هذه العبارة: (وبناء على ذلك تكون فلسفة صاحب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٨٠