فإن شئت أن تقول: إنه مذهب مع ذلك غامض يكد الذهن في فهمه فلك أن
تقول وأن تمعن النظر حتى تفهم مبانيه وأصوله وأن تناقش بالدليل الدليل، وعلى
الله قصد السبيل.
القول بنفي الرابطة بين الأسباب ومسبباتها جدير بأهل دين ورد في كتابه أن
الإيمان وحده كاف في أن يكون للمؤمن أن يقول للجبل تحول عن مكانك فيتحول
الجبل [2] يليق بأهل دين يعد الصلاة وحدها إذا أخلص المصلي فيها كافية في إقداره
على تغيير سير الكواكب وقلب نظام العالم العنصري، وليس هذا الدين هو دين
الإسلام، دين الإسلام هو الذي جاء في كتابه ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم﴾ (التوبة: 105) الآية، ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ (الأنفال: 60) إلخ ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (الأحزاب: 62) وأمثالها {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل
والنهار} (البقرة: 164) الآيات، فلا يمكن لأهل هذا الدين وهو هو أن يقطعوا كل
علاقة بين الأسباب في هذا العالم المسببات، ولهم أن يتيهوا على أرباب ذلك الدين
الآخر بأن دينهم لم يوضع أساسه على دعث من الخوارق لا يلبث أن يخسف
بالسالك فيه إذا سأل عليه سيل الدليل، وإنما وضع على مستقر من الحقائق لا
يتزلزل بالقائم عليه مهما عظم القال والقيل، وليس من الممكن لمسلم أن يذهب إلى
ارتفاع ما بين حوادث الكون بالترتيب في السببية والمسببية إلا إذا كفر بدينه قبل أن
يكفر بعقله.
نعم طرأ فساد على عقائد بعض المنتسبين إلى أئمة ذلك المذهب وأساءوا
الظن بالقدر وتظاهروا بترك الأسباب في أقوالهم، وإن كانوا أشد الناس تمسكا بها
في رذائل أعمالهم، وتعلقوا من الخوارق بجبل وهن ميلا إلى أهواء من جاورهم
من الملل فظن الناظرون في قذائف أفواههم أن هذه الأوهام مما بني عليهم اعتقاد
أسلافهم فلا يغترن بعد ذلك مغتر بما يظن أولئك الناظرون ولا بما يتوهمه هؤلاء
الواهمون ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ (الصافات: 180) .
هذا ما يتعلق برأي الجامعة في مذهب المتكلمين أو فلسفتهم وننتقل الآن إلى
روايتها مذهب الفيلسوف ورأيها فيه.
* * *
فلسفة ابن رشد ورأيه في المادة وخلق العالم
قالت الجامعة: إن المادة (ضرب من الافتراض لا بد منه) الافتراض يراد به عند الإطلاق الفرض وهو في اصطلاح الفلاسفة ما لا وجود له والمادة عندهم موجودة
كما قالت الجامعة فيما قبل ذلك التعريب وفيما بعده.
ثم قالت: (وبناء عليه فالعامل الأول الذي هو مصدر القوة والفعل (أي
الخالق سبحانه وتعالى) يكون غير مختار في فعله؛ لأن الحرية والاختيار يقتضيان
كونه محدثا والخالق يتنزه عن أن يكون حديثا) وقالت بعد هذا بسطرين: (وهو
(أي مذهب ابن رشد) مذهب قريب جدا من مذاهب الماديين كما ترى، ثم ذكرت
أن الفيلسوف يشبه حكومة الكون بحكومة المدينة وأن المباشر للتصريف في الكون
هو العقل الأول في قلب هذه الدوائر ولكل دائرة عقل أي قوة تعرف بها طريقها)
إلخ.
أما مسألة نفي الاختيار فقد ذكرت عليها إيهامها وأدى ذكرها كذلك إلى استنتاج
أن مذهب ابن رشد قريب من مذهب الماديين وليس الأمر في حقيقته كذلك.
يعلم كل ناظر في مذاهب فلاسفة اليونان أنهم كانوا فريقين إلهيين وماديين والأولون
فريقان مشاءون وإشراقيون واشتهر أتباع أرسطو باسم المشائين وأتباع أفلاطون
باسم الإشراقيين.
وأول مميز للإلهيين عن الماديين أن الأولين يقولون بوجود واجب بريء من
المادة والماديات وبوجود عقول مجردة عن المادة وغواشيها وبأن للواجب علما بذاته
وبجميع ما يصدر عنه وعن آثاره وأن للمعقول المجرد عقلا علما بذواتها وبمبدئها
وبما يصدر عنها، والماديون لا يقولون بشيء من ذلك ألبتة، فالتقريب بينهما تقريب
بين النقيضين، وابن رشد من مقرري مذهب أرسطو فهو من الإلهيين.
وتشبيه الفيلسوف لتدبير الكون بتدبير المدينة أكبر دليل على مفارقة الماديين