يتفق مع معاني القرآن رأي آخر بل هو الذي يظهر منه، فذلك بحث آخر لسنا
بصدده الآن فإن كلامنا في تصوير مذهب المتكلمين.
الأصل الثاني وهو وجود خالق مطلق التصرف لازم للأصل الأول؛ لأن هذا
العالم إذا كان موجودا بفعل موجد فموجده هو خالقه وهو مطلق التصرف بمعنى أنه
يختار ما يخلق على الوجه الذي يخلق.
والمتكلمون وإن اتفقوا على أن خالق العالم مختار انقسموا إلى فريقين
عظيمين، فالقدرية منهم ويسمون بالمعتزلة أيضا قالوا: إن الخالق وضع للكون
نظاما تنطبق أصوله على مصالح المخلوقين وأودع في المخلوقين قوى أو قدرا
تصدر عنها آثارها بطريق التوليد والسببية أو بطريق الإرادة والاختيار،
فهذا فريق من المتكلمين لا يخالف الفلاسفة في قولهم بلزوم الآثار لمصادرها أو تأثير
قدر المخلوقين في أفعالهم، وقد بقي من أهل هذا المذهب إلى اليوم طائفة الشيعة
الإمامية والزيدية فإنهم لا يخالفون المعتزلة في هذه الأصول فإذا حدث في الكون
حادث سأل صاحب هذا المذهب عن سببه المباشر له وإن كانت جميع الأسباب تنتهي
إلى مصدرها الأول وهو الخالق كما يسأل الفيلسوف بلا فرق.
والفريق الآخر الذي عنته الجامعة وهو الذي يرى إسناد الآثار إلى الخالق
مباشرة لم يقطع العلاقة بين الأسباب الظاهرة ومسبباتها بل قال: إن الله يصدر
وجود المسبب عند وجود السبب فلا يقال: إن الأكل (مثلا) هو الذي يحدث الشبع
بل الشبع شيء يحدثه الله عند الأكل ولكنه لا يحدثه عند الخوى إلا إذا أراد أن
يخرق النظام الذي جرت به سنته لأمر عظيم يريد توجيه النفوس إليه، وحمل هذا
الفريق على هذا القول إنكار نسبة الإيجاد ومنح الوجود إلى شيء سوى واجب
الوجود، وقالوا في الأفعال الاختيارية: إن الله يوجدها عند تعلق كسب العبد بها
ولهم في تصوير معنى الكسب كلام طويل لا يليق بهذا المقال استيفاؤه، وقالوا: إن
الأسباب والآلات لا بد منها في صدور الأثر إلا أن الذي يعطيه الوجود عند
استكمالها هو الخالق، ولهذا اتفق جميع المتكلمين على أن التكليف بالأحكام
الشرعية يعتمد التمكن من الإيتان بالمكلف به من حيث حال المكلف وصرحوا بأنه
لم يقع تكليف بشيء إلا إذا تيسرت أسبابه وارتفعت الموانع منه غير أنهم يلقبون
هذه الأسباب بالعادية؛ لأنه ليس من الواجب على الخالق أن يلتزمها مع اعتقادهم
بأنه قررها وجرت سنته بها ولقبوا ما يحدث في العالم مخالفا لها بخارق العادة
وليس كل غريب عندهم خارقا للعادة بل الخارق هو ما لا يدخل في مكنة قوة حادثة
ولا يقدر على إحداثه إلا للقادر على مخالفة النظام الذي سنه وهو الله.
هذا الفريق من المتكلمين يستند في إثبات صفة العلم لله تعالى إلى ما في هذا
العالم من النظام وإلى ما حواه ذلك النظام من الأسرار والحكم، وهل يتأتى هذا
الاستناد منهم إن لم يقولوا بوجود العلاقة بين الأسباب ومسبباتها كان من هذا الفريق
أئمة تناول بحثهم كثيرا من الفنون كالطب وعلوم المواليد الثلاث الحيوان والنبات
والمعدن منهم الأئمة الرازيون: كفخر الدين الرازي وأبي بكر الرازي ومحمود
الرازي، وأمثالهم ومنهم مثل الإمام أبي بكر الباقلاني، وكيف يتيسر لقائل أنه لا
علاقة بين الأسباب والمسببات أن يبرع في فنون بناؤها على الارتباط بين الآثار
وما يقارنها في العادة مما هو مصدر لها في بادئ النظر.
فإذا حدث في الكون حادث سأل صاحب هذا المذهب عن سببه الذي جرت
سنة الله بأن يكون معه وإن شئت قلت: سأل عن السبب الذي أصدر الله وجوده
عنده، وهل يمكن أن يقول المتكلم: إنه لا علاقة بين وجود الولد ووجود والديه أو
بين جودة العمل وعلم العامل أو بين غزارة الثمر وخدمة الشجر؟ هذا شيء لم يقل
به قائل منهم قط وإلا لما قرأ واحد منهم كتابا ولا خط في صحيفة سطرا؛ لأنه لا
علاقة بين المطالعة والفهم ولا بين التحرير والأفهام.