تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانيا، ولكن ما هو العقل الفاعل العام الذي هو خالد في رأي ابن رشد، إن هذا

العقل الخالد هو العقل المشترك بين الإنسانية، فالإنسانية إذا هي خالدة وحدها دون

سواها، وبناء على ذلك لا يكون بعد الموت حياة فردية ولا شيء مما يقوله العامة

عن الحياة الثانية) اه.

* * *

دفع وهم عن فلسفة ابن رشد والمتكلمين

لأستاذ حكيم، وفيلسوف عليم

قرأت ما نشرت الجامعة من ترجمة ابن رشد، مررت على ما نقلت من آراء

المتكلمين وآرائه بغير تدقيق لأنني أعرف آراء الفريقين من قبل ولم يكن لي قصد

إلى النقد وإنما أريد أن أستفيد جديدا، لهذا لم يقف نظري لأول وهلة إلا على ما

حوته تلك الجملة (الاضطهاد في النصرانية والإسلام) قرأتها بترو وانتهيت منها

إلى حكم من الجامعة يخالف ما أعتقد ولا يلتئم مع ما أعرف ويعرف العارفون من

الشواهد التاريخية، عند ذلك تحركت نفسي إلى كتابة سطور، أشير فيها إلى كشف

مستور، أو إعادة ذكر مشهور على أسماع الجمهور.

لاقاني بعض قراء تلك الترجمة فرأيت الأثر في نفسه أشد، ولسانه في العتب

أحد، وذكر أشياء في غير هذا الفصل من الترجمة، ولفتني إلى إعادة النظر فيها،

رجعت إلى الترجمة فوجدت فيها موضعين آخرين يطلبان مني الكلام عليهما وبأن

أحاديث الجامعة فيهما، لو كانت منزلة الجامعة من نفسي منزلة غيرها من المجلات

التي لا يعنى كاتبوها إلا بنقل ما يقع تحت أنظارهم، أو تحبير ما يعبر عن أهوائهم

وأفكارهم، من دون عناية بتقرير الحقيقة، ولا رعاية لمعتقدات القراء لوجدت من

شواغل عملي ما يصرفني عن ذكر ما عرض فيها، لكنها من المجلات التي لو

أهملت مباحثها من إمعان النظر وجعلتها في جانب عما تستحقه من النقل لبخستها

حقها، ونبوت بها عن موضعها.

لهذا رأيت أن أذكر لها ما رأيت في ذينك الموضعين وأبين حقيقة الأمر في

الثالث أما الموضعان فهما: (فلسفة المتكلمين وآراؤهم في الوجود) و (فلسفة ابن

رشد وآراؤه في خلق العالم واتصال الكون بالخالق وطريق اتصال الإنسان به

والخلود) وهما موضوع كلامي اليوم.

* * *

فلسفة المتكلمين وآراؤهم في الوجود

قالت الجامعة: فلسفة المتكلمين هذه (أي في وجود العالم) مبنية على أمرين:

الأول حدوث المادة في الكون أي وجودها بخلق خالق. والثاني: وجود خالق

مطلق التصرف في الكون ومنفصل عنه ومدبر له وبما أن الخالق مطلق التصرف

في كونه فلا تسأل إذا عن السبب إذا حدث في الكون شيء لأن الخالق نفسه هو

السبب وليس من سبب سواه، إذا فلا يلزم عن ذلك قطعيا أن يكون بين حوادث

الكون روابط وعلائق كأن ينتج بعضها عن بعض؛ لأن هذه الحوادث تحدث بأمر

الخالق وحده وفي الإمكان أن يكون العالم بصورة غير الصورة المصور بها الآن

وذلك بقدرة هذا الخالق، ثم ذكرت في الجملة التي تلي ما تقدم أن هذه فوضى،

وأن روحا جديدا أخذ يدخل شيئا من النظام فيها [1] .

حدوث المادة عند المتكلمين ليس معناه أن تكون بخلق خالق، فإن الخلق في

اصطلاحهم هو الإيجاد وكون المادة صادرة عن موجد لم يختلف فيه المتكلم

والفيلسوف الإلهي، فأرسطو يقول: إن المادة قد استفادت وجودها من موجدها

وهو الواجب وواسطة فيض الوجود عليها هو العقل الفعال على ما سيأتي بيانه، وإن

كان لا أول لوجودها، وإنما حدوث المادة عند المتكلمين هو وجود الأجسام وعوارضها

بعد أن لم تكن موجودة بحيث يفرض لوجودها بداية زمانية تنتهي إليها سلسلتها من

جانب الماضي، ولا يجوز أن يوصف بالأزلية إلا الله وحده في صفاته عند القائلين

بأنها وجودية، وقبل هذه البداية التي لا يمكن تحديدها لم يكن وجود سوى وجود خالق

الكون، ثم إنه أراد إيجاد الكون فأوجده من العدم البحت، هذا هو بناء مذهب

المتكلمين وهو مذهب أهل النظر من المسيحيين واليهود أيضا فلم يخالف فيه ملي

من أهل الملل الثلاث.

أما كون هذا المذهب وحده هو الذي يصح أخذه من القرآن، أو أنه يجوز أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٧٧