فإنه يشبه حكومة الكون أي تدبيره بحكومة المدينة، فإنه كما أن كل شئون المدينة
تتفرق وتتجه إلى نقطة واحدة وهي نقطة الحاكم العام فيها فيكون هذا الحاكم مصدرا
لكل شئون الحكم ولو لم تكن له يد في كل شأن من هذه الشئون كذلك الخالق في
الأكوان فإنه نقطة دائرتها ومصدر القوات التي تدبرها، وإن لم يكن له دخل مباشرة
في كل جزء من هذه القوات، فبناء على ذلك لا يكون للكون (اتصال) بالخالق
مباشرة، وإنما هذا الاتصال يكون للعقل الأول وحده، وهذا العقل الأول هو عبارة
عن المصدر الذي تصدر عنه القوة للكواكب، وعلى ذلك فالسماء في رأي فيلسوف
قرطبة كون حي بل أشرف الأحياء والكائنات، وهي مؤلفة في رأيه من عدة دوائر
يعتبرها أعضاء أصيلة للحياة والنجوم والكواكب تدور في هذه الدوائر، أما العقل
الأول الذي منه قوتها وحياتها فهو في قلب هذه الدوائر، ولكل دائرة منها عقل أي قوة
تعرف بها طريقها كما أن للإنسان عقلا يعرف به طريقه، وهذه العقول الكثيرة
المرتبطة بعضها ببعض والتي تلي بعضها بعضا محكومة بعضها ببعض إنما هي
عبارة عن سلسلة من مصادر القوة التي تحدث الحركة من الطبقة الأولى في السماء
إلى أرضنا هذه، وهي عالمة بنفسها وبما يجري في الدوائر السفلى البعيدة عنها، وبناء على ذلك يكون للعقل الأول الذي هو مصدر كل هذه المحركات علم بكل ما يحدث في العالم.
* * *
طريق الاتصال
وإن قيل: ما هي علاقة الإنسان بالخالق، فالجواب عن ذلك يأخذه ابن رشد
أيضا عن أرسطو من الفصل الثالث من كتابه (النفس) وخلاصة ذلك أن الكون
عقل فاعل وعقل منفعل، فالعقل الفاعل هو عقل عام مستقل عن جسم الإنسان وغير
قابل للامتزاج بالمادة، وأما العقل المنفعل فهو عقل خاص قابل للفناء والتلاشي مثل
باقي قوى النفس، وإنما يقع العلم والمعرفة باتحاد هذين العقلين، ذلك أن العقل
المنفعل يميل دائما للاتحاد بالعقل الفاعل كما أن القوة تقتضي شكلا توضع به، وأول
نتيجة تحصل من هذا الاتحاد تدعى العقل المكتسب، ولكن قد تتحد النفس البشرية
بالعقل العام اتحادا أشد من هذا فيكون هذا الاتحاد عبارة عن امتزاجها جد الامتزاج
بالعقل القديم الأزلي، ولا يتم هذا الاتحاد بالعقل الاكتسابي الذي تقدم ذكره فإنما
وظيفة العقل الاكتسابي إيصاله إلى حرم الخالق الأزلي دون أن يدغمه به، وأما
إدغامه واتصاله به فذلك أمر لا يتم إلا بطريق العلم، فالعلم إذا هو سبب الاتصال
بين الخالق والمخلوق، ولا طريق غير هذا الطريق، ومتى اتصل الإنسان بالله صار
مثله يتصل به بأن ينقطع إلى الدرس والبحث والتنقيب ويخرق بنظره حجب
الأسرار التي تكتنف الكون فإنه متى خرق هذا الحجاب ووقف على كنه الأمور وجد
نفسه وجها لوجه أمام الحقيقة الأبدية.
أما المتصوفة فإنهم يقولون: (إن هذا الاتصال يتم بواسطة الصلاة والتأمل والتجرد، وليس العلم صروريا له) .
وبناء على ذلك تكون فلسفة صاحب الترجمة عبارة عن مذهب مادي
قاعدته العلم والكون في رأيه كما مر بك إنما صنع بقوة مبادئ قديمة مستقلة محكومة
بعضها ببعض وكلها مرتبطة ارتباطا مبهما بقوة عليا، ومن هذه المبادئ شيء
يستولي على العالم ويضع فيه العقل فهو عقل الإنسانية، وهذا الشيء الذي يسميه
عقلا أيضا هو عقل ثابت لا يتغير أي أنه لا يتقدم ولا يتأخر لا يزيد ولا ينقص،
والناس يشتركون فيه ويستمدون منه بكميات متباينة، على أن من كان منهم أكثر
استمدادا منه كان أقرب إلى الكمال والسعادة.
* * *
الخلود
ثم تكلمت الجامعة بعد ما تقدم عن رأي ابن رشد في خلود النفس فقالت بعد
كلام ما نصه: (قال: إن العقل الفاعل العام الذي تقدم ذكره من صفاته أنه مستقل
ومنفصل عن المادة وغير قابل للفناء والملاشاة، والعقل الخاص المنفعل من صفاته
الفناء مع جسم الإنسان، وبناء عليه يكون العقل العام الفاعل خالدا والعقل المنفعل