تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالواجب اجتنابه.

وأما الاحتياط في الأكل والشرب فأحسن ما يذكر فيه الآن ما روي عن النبي

صلى الله تعالى عليه وسلم في بيان سبب عدم قبول الطبيب الذي أهداه إليه

المقوقس ملك القبط وهو (لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع) ولا أذكر من

خرجه من المحدثين وهو مذكور في كتب السير وهذا أصل عظيم في الوقاية من

الهيضة الوبائية فإن جراثيم الهيضة لا تضر إلا إذا انتقلت من المعدة إلى الأمعاء في

طعام غير مهضوم، فمن يأكل عن جوع حقيقي ولا يكثر من الأكل فإنه يهضم ما

أكله بسهولة فإذا وجد في طعامه وشرابه شيء من جراثيم الهيضة الوبائية

(الكوليرا) فإنه حينئذ يهضم ولا يضر، وإذا كان مع هذا يراعي النظافة في

الطعام والماء مراعيا فيه وصايا الأطباء فذلك أكمل الاحتياط.

ولا يتوهم أن الحديث المذكور آنفا يدل على أن التطبب غير مطلوب شرعا

فقد وردت الأحاديث الصحيحة والحسنة أن لكل داء دواء إلا الموت وفي رواية إلا

الهرم وكثير من الأحكام الشرعية يبنى على قول الأطباء حتى في العبادات، فالاعتماد

على قول الطبيب العدل في ذلك واجب شرعا، وكذلك غير العدل إن صدقه فإننا كثيرا

ما نجزم بصدق من لم توجد فيه صفات العدالة الشرعية كلها؛ لأننا عرفنا صدقه

ومهارته بالتجربة.

* * *

(إبطال المولد الحسيني وغيره)

أمرت الحكوم بإبطال المولد الحسيني وغيره؛ لأن الاحتياط الصحي يقضي

بتقليل الاجتماع والازدحام في أيام الوباء لا سيما مثل اجتماع الموالد المشتملة على

الفحش والفجور والإسراف في كل الأمور حتى تكون في بيت الله تعالى، كالمزبلة

لا يمكن لمن يدخله أن يصلي فيه إلا إذا كان معه سجادة يصلي عليها. ولعل الله

تعالى يوفق الحكومة إلى إبطال هذه الموالد بالمرة؛ إذا كان رجال الدين لا يسعون

بإزالة المنكرات الدينية منها، فإن زعم الزاعمون أن فيها منفعة تجارية فلتكن أسواقا

تجارية لا صبغة للدين فيها، وقد أرادت إحدى الجرائد تسلية الناس عن إبطال

المولد الحسيني فقالت: إن هذه الموالد ليست من أصول الدين ولكن النظافة من

أصول الدين كأنها تعني أن الموالد من فروع الدين، وأن مراعاة الأصل مقدمة على

مراعاة الفرع، ذلك جهل على جهل فأصول الدين عقائده، والنظافة ليست منها وإنما

هي من الفروع العملية، وأما الموالد فليست من الأصول ولا من الفروع بل هي

من البدع القبيحة والضلالات المشتملة على كثير من الفواحش والمحرمات.

* * *

(الخمارة الإسلامية والاستهانة بالدين اعتمادا على الأولياء)

فشا شرب الخمر في مسلمي مصر وجاهروا به حتى كأنه مباح أو مستحب

ويقال أنهم أكثر شربا من القبط والإفرنج، لكنهم ظلوا مقصرين في هذا النوع من

الفسق إذ لم يشتغلوا ببيع الخمر حتى أزال عنهم عار التقصير واحد منهم اتخذ له

حانة يفتخر بأنها الحانة الإسلامية الوحيدة، وكأن السكارى في الحانة الإسلامية هم

المتحمسون فيما يسميه الجهلاء في هذه الأيام لباب الإسلام وأظهر مميزات المسلمين،

مثال من ذلك أنني مررت من أمامها ليلا فرأيت على بابها رجلا يناهز الستين

والكأس في يده وهو يصيح (يا سيد يا باب النبي) كأنه علم أن الذين يقلدهم هو

وأمثاله في شرب الخمر يشربون على أسماء الكبراء والأمراء والملوك وهو ما

تسميه الجرائد الآن النخب فأراد أن يشرب نخب السيد البدوي وإلا فهو يشيد باسمه

لأجل أن يشفع له، فخطر لي أن أرمي كلمة أنهاه بها فقلت: وهل أمرك النبي بهذا؟

فصاح بأعلى صوته: هو يغفر لي، هو يحب السيد، الله يحب النبي والسيد،

النبي عربي ما هو تركي، وقد علمت أنه يعرض بذمي بكلمة تركي؛ لأنه رأى

زيي كزي علماء الترك، وكأني بمن معه قد اعتقدوا أنه من الأولياء؛ لأنه ذكر اسم

الله والنبي والسيد على الخمر، وإن كان الفقهاء يعدون هذا استهانة بالدين وبحثوا

في كفر صاحبه.

***

سيجمع ما كتبته الجرائد وما نظمه الشعراء في فقيد العلم والإصلاح السيد عبد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٧٤