بنفقات هذه المعاهد فكان جوابه أنها غنية لمهارتها في طرق الكسب؛ ولأنها هي التي
تدبر نفقاتها بنفسها على أني أرجو أن لا تنخدع بما تراه فإن ما تظنه بذلا للمال
وإسرافا فيه هو في الحقيقة تدبير له وتوفير لو صح ما نسمعه عن أوربا القديمة
لكان ما تنفقه أممها على حكوماتها في جانب التبذير وما تنفقه على التعليم العام في
طرف التقتير، وأما نحن فأمورنا تجري على خلاف ذلك فحكومتنا لا تكلفنا أو لا
تكاد تكلفنا شيئا وتنفق كل أرزاقنا على مدارسنا فكان لنا بالسير على هذه السنن ما
يسمى في عرف التجارة صفقة رابحة، ولله طريقتنا في التربية فإننا ببركتها استغنينا
عن اتخاذ جيش دائم وكهنوت وغيرها من الأثقال التي توقع الحكومات في مهواة
الفاقة وتؤديها إلى الخراب.
هذه الأمة التي ضل عني الآن اسمها لا تقصد في تربية عقول أبنائها وتقويم
طباعهم إعدادهم لأن يتبعوا في مستقبلهم نظاما مقررا كائنا ما كان بل إنها عقدت
النية على أن تقبل ما ينتج من التربية الحرة المؤسسة على نواميس الكون وأصول
العلم من الثمرات فبعثها إقدامها على أن تعهد بمستقبل بلادها إلى معارف الأجيال
الجديدة وعلومهم، فهي تعتبر المدرسة أمة في سبيل نشأتها لها قوانينها كما أن
للحكومة قوانينها وترى تلك القوانين كأنها مقدمة لهذه وتبكر بتعليم التلامذة ممارسة
ما يتحلى به الرجال من الفضائل القومية.
ليس لمعلمي المدرسة على التلامذة أدنى سبيل إلى التأديب ولكنهم لا يسلمون
عليها بما يقترفونه من مخالفة قوانينها وعوائدها بل إنهم يعاقب بعضهم بعضا على
ما يقع منهم من المخالفات، فالمخالفون يحاكمون إلى محكمة ينتخب أعضاؤها من
أخواتهم لمدة معلومة، ومن مصلحة هؤلاء الأعضاء أن يعدلوا في أحكامهم وأن لا
يطيعوا فيها دواعي الهوى والغرض؛ لعلمهم أن الاعتداء على حقوق الناس قد يعود
عليهم ضرره في الحال أو في المآل.
ويقوم أمام هذه المحكمة محاميان أحدهما من جانب المدعي والثاني من جانب
المدعى عليه فيبينان لها وقائع الدعوى بالرزانة والوقار ثم يصدر المحلفون
المتطوعون أحكامهم وهي واجبة الاحترام على الدوام وما يحكم به من الجزاء يصير
على كونه غاية في الخفة شديد الإرهاب والزجر لأنه يؤدي إلى لوم المحكوم عليه
وتأنيبه من المدرسة جميعها لا من معلميه فقط. يقيم الصبايا التلميذات بهذه المدرسة
في قسم آخر منها غير قسم الصبيان ولكنهن يحضرن معهم في غرف التعليم بعض
الدروس العامة التي تلقى نهارا.
قال لي الشيخ: إننا نعول كثيرا في طريقة تربيتنا للناشئين على ما للنساء من
التأثير المعنوي في النفوس فهن اللاتي نعهد إليهن بتوزيع الجوائز والمكافآت على
التلامذة، فترى المهرة من هؤلاء في الرياضات البدنية يختبرون أنفسهم أمامهن في
ساحتها ببعض الحركات التي هي مظاهر البأس والقوة، والمستعدين منهم لأن
يكونوا خطباء المستقبل يمثلون بين أيديهن على منبر المدرسة ويثير بعضهم على
بعض في ميدان الفصاحة والبلاغة حربا عوانا كل ذلك في سبيل إرضائهن وهيج
إعجابهن، ولما كان المعروف فيهن أنهن صائبات الرأي سديدات الحكم في مواد
الفنون كان معلمو المدرسة تطيب أنفسهم بالركون إلى رأيهن في امتحان الشعر
والموسيقى والتصوير فإذا صرن محكمات في الذوق، أعلن حسان الأعمال ونوهن
بقدرها وتوجنها تاج الشرف والفخار.
كذلك يعتاد أحداثنا على أن يستشيروا النساء ويسترشدوا بآرائهن ويلتمسوا
تصديق وجدانهم لحسن أعمالهم فيما يبديه لهم مما يرقنهم منهن من دلائل استحسان
هذه الأعمال بتلقيها بالابتسام والبشاشة وينشأون على أن يعتبروا عيون ربات الجمال
مرايا تمثل لهم فيها الفروض التي كتب عليهم أداؤها.
لا يزال صدى الكلمات الأخيرة التي سمعتها من ذلك الشيخ يرن في أذني إذ
قال لي في نهاية حديثه: لو طال زمن مكثك بيننا لشاهدت من مستحدثاتنا ما لا