شجر بيننا وأن نترك لأعقابنا النظر لأنفسهم فيما هو خير لهم فإنه لا خير في أحسن
الأوضاع ولا في أعدل القوانين إن لم نجد في أخلاق الناشئين وسيلة لاستبقائها
وحينئذ اتفق القوم على أن يبقوا من قوانيهم القديمة أكثرها مطابقة لحكم العقل حينا
من الدهر، وأن ينشأوا الجيل الجديد في هذه الفترة على حب الحرية والأخذ بها ثم
لعلك لم تر مدرستنا، إنها أصل نظامنا السياسي فهيا بنا إليها.
أخذني إلى مكان على مقربة من المدينة فما هو إلا أن تجلى لنظري في لسعة
الشمس المشرقة قصر أو هيكل فوق ربوة شجراء قد عادل اتساعه وانفساح أرجائه
ما له من الفخامة والجلال لو أردت أن أصف لك جملته لعييت بذلك. بني كل قسم
من أقسامه الداخلية على طريقة حديثة في فن العمارة وبلغ من الازديان بما وضع
فيه من التماثيل والصور وآثار الفنون إلى حيث إن جدرانه كانت تكاد تكفي أن
تكون وحدها طريقة من طرق التعليم بكون ما حوته ينقش على أذهان التلامذة
ومشاعرهم، وينقسم هؤلاء إلى عدة أمم يمثل كل منها جيلا من أجيال الإنسان وقد
وقع ذلك البناء في وسط مشاهد تأسر القلب وتأخذ باللب بما فيها من ضروب التباين
ووجوه التخالف فنجد حوله الآجام والصخور ومساقط الماء وتحته البحر.
وقفت على إحدى حلقات الدروس فإذا بغلمان يمارسون أنواعا مختلفة من
الرياضات البدنية بالمصارعة والعدو والرماية بالقوس، أكثر ما دهشت له في هذه
الحلقات أن معلميها كانوا من هنود أمريكا الحمر الأصليين كما تبينت ذلك من لونهم
ونحافة أعضائهم وما كان على شعورهم من مواد الزينة الوهمية.
قال لي الدليل: إن هذه القبيلة المتوحشة لم تأت إلى بلادنا إلا من عهد قريب
وإنما جذبها إلى حدودها حسن أخلاق قومنا ورقة طباعهم فإننا لم نعتبرهم أعداء لنا
كما يفعل غيرنا بل دعوناهم إلى مشاركتنا في نعم الحضارة وأرشدناهم إلى ما
تحصله لنا من الفوائد ومزايا مبينين لهم مقدار رجحانها على البداوة، ولما كنا لا
نجهل ما لهم من المذاهب الفطرية التي نحن محرومون منها قد عرضنا عليهم
معاوضة المنافع ومبادلة المرافق فقبل فريق منهم ذلك منا وهاهم أولاء الآن يروضون
أبناءنا على احتمال الآلام الجسدية غير معطلين من جباههم وعلى استعمال
أبصارهم وأسماعهم في اجتناب ما ينصب لهم من الحبائل وإبطال ما يكاد لجلهم من
المكائد ويعودونهم على البسالة في ثني أعضائهم وإدارة مرافقهم لسلطان الإرادة،
وعلى تعرف أخلاق الحيوانات وعوائدها في حالتها الوحشية.
وفيما نحن نجول داخل هذا المكان الذي هو منقسم كما قلت إلى دارات مختلفة
للتربية والتعليم شهدت أحد الأعياد التي تقام في هذه الدارات التاريخية أو العلمية
من حين إلى حين فخيل لي أننا في أثينا (عاصمة بلاد اليونان) إن لم أكن واهما
وأبصرت قامتها المسماة بالأقروبول شاخصة أمامي على صخرة يعلوها معبد
وتماثيل وآلهة صنعت من النحاس الأحمر والمرمر ورأيت في الجانب الغربي لهذه
القامة دهاليزها التي أقامها بريكليس [3] وكنت أشاهد طوائف من القيان في أزياء
يونانية يشخصون اليونان في أطوارهم وأحوالهم تشخيصا يقرب من الفطرة
ويتكلمون بلغتهم ويمثلونهم في تنزههم في المدينة أو غدوهم إلى مرافئ بيريه [4]
ومونخيي [5] وفالير [6] فاستغربت ما رأيت مع قلة استغراب الحالم وأقسمت بآتينيه
بروماخوس لاكتنهن هذا السر.
فلما رأى صاحبي شدة ولعي بمعرفة حقيقة ما رأيته قال لي: إن الأمر في
غاية السهولة ذلك أننا لما تبين لنا بالاختبار أن التاريخ في تعليمه للأحداث يمر
بأذهانهم مرور الظل غير تارك له فيها آثارا بينة اجتهدنا في أن نجعل له جسما
تخلد فيها صورته فترى تلامذتنا لا يقتصرون في تعلمه على مطالعة ما كان في
العصور الخالية بل إنهم يعيشون في تلك العصور.
فقلت له: لا بد أن تكون جمهوريتكم قد بلغت من الثروة غايتها حتى تقوم