يقرأ بالعربية ثم يقرأ في السنتين الثالثة والرابعة باللغة الأجنبية وله فيها درسان في
كل أسبوع فكأن دروس السنة الثانية تمهيد لما بعدها فتكون لغة البلاد وسيلة لا
مقصدا. وكذلك الحال في علم تقويم البلدان إلا أن دروسه في الثالثة والرابعة ثلاثة
في كل أسبوع.
ومن نظر في جدول توزيع حصص الدروس في التعليم الثانوي لا يرى بإزاء
خطوط اللغة العربية من الجدول إلا النقط والأصفار، فالعلوم كلها تقرأ باللغة
الأجنبية وهي الحساب والهندسة والجبر وتقويم البلدان والتاريخ والطبيعة والكيمياء
والرسم. وكأن (الضمانات الخمس) التي قدمها ناظر المعارف لنواب الأمة في
الجمعية العمومية هي التي جعلت دروس الترجمة من حصص اللغة العربية في
الجدول الابتدائي والثانوي ليزيد العدد فتقتنع الأمة بأن لغتها قد اعتني بها وأدخل
فيها العلوم والفنون، ولكن هذا غش وخداع فإن الترجمة كما تكون من اللغة
الأجنبية إلى العربية تكون بالعكس والعناية الكبرى فيها باللغة الأجنبية ومعلموها هم
معلمو اللغة الأجنبية إلى العربية فكان الأقرب إلى الصواب أن تعد الترجمة من
دروس اللغة الأجنبية.
فدروس الأسبوع في التعليم الثانوي 33 درسا: ثمانية منها للغة العربية نفسها
(النحو والصرف والبلاغة) والباقي للغة الإنكليزية، تسعة لنفس اللغة وواحد
للترجمة والباقي للعلوم.ومما يدل على أن حصص الترجمة تعد من دروس اللغة
الأجنبية إهمال الكلام عليها في الفصل الذي يشرح كيفية تعليم العربية من القانون
وذكرها في الفصول التي يشرح فيها كيفية تعليم اللغة الأجنبية.
الأمور التي تهم الأمة في التعليم وتود الضمان عليها ثلاثة: الدين وهو في
المرتبة الأولى، واللغة وهي في المرتبة الثانية، والتاريخ وهو المرتبة الثالثة،
فأما الدين فقد بينا وجوه تقصير المعارف فيه وجعله كالرسم الدارس.
وأما اللغة العربية فتقصيرها فيها من وجهين أحدهما نسبي وهو جعلها دون
اللغة الأجنبية، والواجب أن تكون فوقها، وثانيهما عدم تعليم العلوم والفنون بها
والواجب أن تجعلها لغة العلم؛ لأن الأمة لا تحيا حياة حقيقية إلا بجعل لغتها لغة
العلم ليتسنى بذلك تعميم العلم فيها فتكون حياتها العلمية ممدة لحياتها المعاشية
والقومية. وإذا نحن جعلنا للعلم لغة ولسائر الشئون لغة أخرى نكون قد جعلنا في
مقومات حياة الأمة تنازعا بفصل العلم عن العمل ولا يمكن أن يكون العلم مرشدا
إلى العمل، والعمل منبعثا عن العلم إلا إذا كان العامل عالما، ونتيجة هذا من غير
تطويل بشرح المقدمات أن أحد الأمرين واجب لكمال الحياة؛ إما نقل العلم إلى لغة
الأمة وهو المعقول المقبول، وإما نقل الأمة إلى لغة العلم الطارئ وهذا إعدام الأمة
وجعلها غذاء وممدة للأمة التي تنتقل إلى لغتها، وما أخال أن ناظر المعارف
ورجال (ضماناته الخمس) من أمته يرضون بذلك سرا وجهرا فإن كان لهم من الأمر
شيء فليعلموا أبناء الأمة العلوم بلغتها وإن كانوا مغلوبين على أمرهم للمستر
دنلوب ومن ينصره فلا يعارض ناظر المعارف الجمعية العمومية في طلبها عرض
قوانين المعارف على مجلس الشورى ولا يكابر نفسه وقومه بزعمه أن قوانين
نظارته موافقة لمصلحة الأمة ومؤيدة منها (بخمس ضمانات) ! !
وأما التاريخ فهو عند جميع الأمم الحية قوام التربية الاجتماعية به تنفخ روح
محبة الجنس والأمة والوطن في الناشئين فبتعليم التاريخ كانت ألمانيا ألمانيا
وإنكلترا إنكلترا وفرنسا فرنسا، فالغرض الأول من علم التاريخ معرفة الإنسان أمته
أو معرفته نفسه من حيث هو أمة، ثم معرفته سائر الأمم ليعرف مكانه منها ومكانها
منه وبذلك يحصل الإنسان العلم النافع الذي هو غاية كل تربية وتعليم وهو الذي
عرفه حكيمنا الإمام بقوله: (العلم ما يعرفك من أنت ممن معك) .
إذا كان هذا هو الغرض من التاريخ فقد أصابت الأمم الأوربية بتلقين الناشئين