تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في أول الأمر تاريخ أمتهم مفصلا وجعلهم تاريخ بقية الأمم في الدرجة الثانية، فالتلميذ

عندهم لا يعرف شيئا من عظمة غير قومه وأمته إلا بعد أن يشرب قلبه عظمة سلفه

وحبهم وحب بلادهم. ويقال إن أكثر الألمانيين لا يكادون يتعلمون شيئا عن غير

بلادهم وأمتهم إلا إجمالا؛ لأن الواجب في رأيهم على كل إنسان أن يعرف نفسه

وقومه الذين سعادته بسعادتهم وشقاؤه بشقائهم. وأما معرفة أحوال بقية الأمم فإنما

تجب على طائفة من الناس كالذين يتصدون للسياسة وللتعليم ونحو ذلك مما يحتاج

فيه إلى معرفة تاريخ الآخرين وأحوالهم.

على هذا كان الواجب على نظارة معارفنا أن تجعل تاريخ الإسلام والسيرة

النبوية وتاريخ الخلفاء الراشدين في مقدمته هو أول ما يغرس في نفوس تلامذتنا وأن

تتوسع في تاريخ جميع الدول الإسلامية وبيان أسباب تقدمها وتأخرها حتي تنتهي

بالدولة العثمانية والبلاد المصرية جزء منها وبعد هذا كله تلقن التلامذة بالإجمال

تاريخ سائر الأمم لا سيما المجاورة للممالك الإسلامية ليعرفوا نسبتهم إلى قومهم ونسبة

قومهم إليهم.

ما أدت نظارة المعارف هذا الواجب ولا رعته حق رعايته فإنها لم تعتبر

جنسية قومها في الدين ولا في اللغة ولا في الحكومة (وهي العثمانية)

ولكنها اعتبرت أن جنسيتها نسبتها إلى مصر وأن سلف هذه الأمة الغربية هم

الفراعنة والرعاة واليونان والرومان والعرب وخلفها الترك فهي والأوشاب تعلم

التلامذة في الطور الابتدائي تاريخ هذه الأمم الكثيرة بهذا الترتيب.

وأما تعليم التاريخ في القسم الثانوي: ففي السنة الأولى منه يعلمون تاريخ

الرجال وذكرهم في قانون وليس فيهم مسلم ولا عربي إلا محمد على باشا

وإسماعيل باشا أميري مصر، وفي السنة الثانية أقسام (1) الدولة الرومانية (2)

الدولة الإنكليزية (3) الحروب الصليبية (4) الدولة العثمانية (5) عظم دولة

أسبانيا وفيها الإصلاح المسيحي (6) عظم فرنسا (7) ارتقاء الروسيا وفيه

تاريخ المسألة الشرقية وما فقدته الدولة العثمانية من أملاكها وتغلب روسيا عليها

وإضعافها.. (8) ارتقاء بروسيا (9) نابليون (10) المستعمرات الأوربية.

وفي السنة الثالثة أقسام أيضا: (1) قيام أمم أوربا (2) نمو الحرية السياسية

في أوربا (3) المدنية عند جميع الأمم ماعدا المسلمين (4) تقدم مصر (5)

أسباب ارتقاء واضمحلال الأمم باختصار، وكل هذا يعلمه الأوربيون بلغتهم؛

فاعتبري أيتها الأمة المصرية (بضمانات ناظر المعارف الخمس) واطمئني له

ولها ما أجدر هؤلاء التلامذة بأن يشبوا لا يعرفون لهم أمة ولا جنسا ينتمون إليه

ويفتخرون به ويعملون على إحياء مجده وتجديد فخره. بل ما أجدرهم بفساد الفطر

التي نراها في بعض أحداثهم الذين ينادون بالوطنية المصرية بغير عقل. فإن قيل

لهم: هل الوطني المصري هو من يسكن مصر ويتخذها وطنا؟ قالوا: لا لا إن

ممن يسكنها النزلاء الإفرنج وهؤلاء يحترمون في الظاهر ويبغضون في الباطن

ومنهم الدخلاء العثمانيون من سوريا وغيرها وهؤلاء يمقتون في الظاهر والباطن.

وإن قيل لهم: هل الوطني المصري ما كان من سلائل القبط والفراعنة فيجب أن

نبغض من يسكن مصر من سلائل العرب والترك الأرنؤود والجراكسة وإن كان

حكامنا منهم؟ قالوا: لا لا إن الجنس القبطي هو شر الأجناس فنسميه وطنيا ظاهرا،

ولكننا في الباطن نفضل عليه المسلمين المصريين. فإن قيل لهم: إذن إن

جنسيتكم هي الإسلام فيجب أن تعتصموا مع كل مسلم من أي مملكة كان؟ قالوا: لا

لا إن هذا ينافي الوطنية الحقة، وإننا لا نعتد إلا بالمسلمين المصريين الأصليين لا

الذين سكنوا مصر من عهد قريب. فهذه الذبذبة والحيرة عند هؤلاء الأحداث من

المسلمين لها سبب أقوى من هذا التعليم المذبذب. وظاهره أن نتيجة هذا التعليم الجناية

على الرابطة الدينية وعلى الرابطة اللغوية وعلى الرابطة الوطنية؛ لأن هؤلاء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٥٠